
نعيش اليوم أزمة حقيقية في نقل الأخبار: كلمة تُقال في مجلس فتطير في الآفاق، ورسالة تُعاد توجيهها ألف مرة ولا يسأل أحد عن مصدرها. والإسلام عالج هذه القضية علاجًا محكمًا؛ فأمر بالتثبت في الأخبار، وحمّل السامع والناقل معًا مسؤولية الكلمة. وهذه الخطبة بيان لأضرار ترك التثبت، ثم رسائل إلى من نُقل إليه الكلام، ورسائل إلى من ينقله.

الأمر الإلهي بالتثبت
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
وفي قراءة حمزة والكسائي: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾. فالتبيّن: طلب البيان، والتثبّت: التأنّي حتى يتّضح الأمر؛ وكلاهما مطلوب.
سبب نزول الآية
ذكر كثير من المفسرين — ومن أحسن ما رُوي في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد (18459) من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه — أن الحارث أسلم ووعد النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يجمع زكاة قومه بني المصطلق، وأن يرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم رسولًا في وقت معلوم ليقبضها. فبعث إليه رسولًا، فلما بلغ بعض الطريق خاف فرجع، وقال: يا رسول الله، إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي! فجهّز النبي صلى الله عليه وسلم بعثًا إليهم.
وكان الحارث قد استبطأ الرسول فخرج بنفسه في سَراة قومه إلى المدينة، فلقي البعث، فقالوا له: زُعم أنك منعت الزكاة وأردت قتل الرسول. فقال: لا والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأيتُه ولا أتاني! فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره نزلت الآية (ينظر: تفسير ابن كثير، عند آية الحجرات).
تأمّل: خبر واحد لم يُتثبّت منه كاد أن يُشعل قتالًا مع قوم مسلمين جاؤوا بزكاتهم طائعين! والعبرة بعموم اللفظ: فكل خبر يترتب عليه حكم أو أذى يجب التثبت منه، أيًّا كان ناقله.
آية جامعة في إذاعة الأخبار
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]
فذمّ الله من يسارع إلى إذاعة كل ما يسمع، وأمر بردّ الأخبار العامة إلى أهل العلم والاختصاص.
أضرار عدم التثبت في الأخبار
1. مخالفة أمر الله تعالى
وقد سبق الأمر الصريح: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. فمن نقل بلا تبيّن فقد عصى قبل أن ينظر في صدق الخبر أو كذبه.
2. إيذاء المسلمين وبهتانهم
«كل المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضُه».
رواه مسلم (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
متفق عليه
ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يومًا إلى الكعبة فقال: «ما أعظمكِ وأعظم حرمتكِ! والمؤمن أعظم حرمةً عند الله منكِ» (رواه الترمذي (2032) وحسّنه). ومن آثاره كذلك: سوء الظن بالمسلمين، والوحشة بين القلوب.
3. الوقوع في القذف الموجب للحدّ
من الناس من يتتبّع العورات ويخوض في الأعراض: فلان فعل، وفلانة وقعت! وليعلم هؤلاء أن الشريعة شدّدت في إثبات الفاحشة تشديدًا عظيمًا صيانةً للأعراض؛ فهي لا تثبت إلا بـ:
- إقرار صريح من صاحبها لا يرجع عنه.
- أو شهادة أربعة رجال عدول يصفون ما رأوا وصفًا صريحًا.
فمن رمى مسلمًا أو مسلمة بغير ذلك فهو قاذف عند الله وإن كان صادقًا في نفس الأمر:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]
حتى الزوج الذي يرى بعينه لم يُجعل له أن يتكلم إلا عبر طريق شرعي مضبوط؛ فلما قذف هلالُ بن أمية امرأته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «البيّنة أو حدٌّ في ظهرك»، حتى أنزل الله آيات اللِّعان فجعل له منها مخرجًا (رواه البخاري (4747) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما). فإذا كان هذا في الزوج الذي رأى، فكيف بمن ينقل «سمعتُ» و«قالوا»؟!
4. قطع الأرحام وإفساد الصداقات
تأمّل أكثر حالات القطيعة بين الأقارب والأصحاب، تجد أصلها خبرًا نُقل على غير وجهه، أو كلمة زِيد فيها ونُقص.
5. خراب البيوت
كم من طلاق وقع، وأسرة تفكّكت، بسبب كلام نقله الناس بين الزوجين وأهليهما عند الخصومة حتى فسد ما بينهما تمامًا!
خمس رسائل إلى من نُقل إليه الكلام
ماذا يجب عليك إذا بلغك عن أخيك ما يسوء؟
أولًا: أن تظنّ بأخيك خيرًا
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12]
قال ابن كثير ما حاصله: هذا تأديب من الله للمؤمنين في قصة الإفك؛ أي: هلّا قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأمّ المؤمنين أولى بالبراءة منه. وذكر أن أبا أيوب الأنصاري قالت له امرأته: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنتِ فاعلةً ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خيرٌ منكِ (تفسير ابن كثير 6/26، ت. سلامة).
ثانيًا: ألّا تتلقّى الخبر بالتسليم
الأصل في المسلم السلامة؛ فيكون ما نُقل إليك موضع توقّف لا موضع جزم. وقد عاب الله على من تلقّى الإفك بلسانه دون قلبه وعقله:
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]
ثالثًا: أن تتبيّن وتتثبّت
فتسأل صاحب الشأن نفسه، أو تطلب البيّنة، ولا تبني حكمًا ولا موقفًا على خبر مجرد. وقد كرّر الله الأمر بالتبيّن مرتين في آية واحدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا … كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94].
رابعًا: أن تُنكر على الناقل ولا تشجّعه
النمّام لا يجد سوقًا إلا عند من يسمع له. ويُروى أن رجلًا ذكر عند عمر بن عبد العزيز رجلًا بسوء، فقال له عمر: «إن شئتَ نظرنا في أمرك: إن كنتَ كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، وإن كنتَ صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، وإن شئتَ عفونا عنك». فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا (ذكره السمرقندي في «تنبيه الغافلين»).
وقال سفيان بن حسين: ذكرتُ رجلًا بسوء عند إياس بن معاوية، فجعل ينظر في وجهي ولا يقول شيئًا حتى فرغتُ، ثم قال:
أغزوتَ الديلم؟ قلت: لا. قال: فغزوتَ السند؟ قلت: لا. قال: فغزوتَ الهند؟ قلت: لا. قال: فغزوتَ الروم؟ قلت: لا. قال: فسلِم منك الديلم والسند والهند والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا؟! — قال: فلم أعُد إلى ذلك.
إياس بن معاوية — شعب الإيمان للبيهقي (9/118، ط. الرشد)
خامسًا: أن تدفع عن عِرض أخيك بالغيب
«من ردّ عن عِرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة».
رواه الترمذي (1931) وحسّنه، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه
«من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة».
رواه البيهقي في الشعب من حديث أنس رضي الله عنه، وهو في السلسلة الصحيحة (1217)
وهكذا كان الصحابة: لما قال رجل في غزوة تبوك عن كعب بن مالك: «حبسه بُرداه والنظر في عِطفيه»، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «بئس ما قلتَ! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا» (متفق عليه). ولما نال رجل من أمّ المؤمنين عائشة عند عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: «اغرب مقبوحًا منبوحًا! أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» (رواه الترمذي (3888) وحسّنه).
أربع رسائل إلى ناقل الكلام
أولًا: راجع نيّتك
قف مع نفسك: لماذا أنقل هذا؟ أللإصلاح أم للإفساد؟ فإن كان للإصلاح — نصيحةً، أو تحذيرًا من ضرر محقّق، أو رفعَ مظلمة إلى من ينصف — فتقدّم بقدر الحاجة. وإن كان لغير ذلك فاحذر:
«خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العنَت».
رواه أحمد (17998) من حديث عبد الرحمن بن غَنْم، وحسّنه الألباني بشواهده
«لا يدخل الجنة نمّام».
رواه مسلم (105) من حديث حذيفة رضي الله عنه
مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: «إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة».
متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: البخاري (218) ومسلم (292)
«إن من أربى الربا الاستطالةَ في عِرض المسلم بغير حق».
رواه أبو داود (4876) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه، وصححه الألباني
والنمّام مفسد في الأرض، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]، وهو متعرّض لدعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب.
ثانيًا: لا تنقل حتى تتثبّت
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]
وفي الحديث: «بئس مطيّةُ الرجل: زعموا» (رواه أبو داود (4972) وصححه الألباني). فـ«قالوا» و«سمعت» و«وصلني» ليست مصادر.
ثالثًا: احذر البهتان
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]
«أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرُك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه».
رواه مسلم (2589) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
«ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغة الخَبال حتى يخرج مما قال».
رواه أبو داود (3597) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني
ورَدْغة الخَبال: عُصارة أهل النار. فالناقل بين أمرين أحلاهما مرّ: إن صدق فهو مغتاب، وإن كذب فهو باهت.
رابعًا: لا تكن حلقة في سلسلة الكذب
أكثر ما يتناقله الناس خرج من الأفواه بلا تثبّت، ثم كبر بالنقل. فهل ترضى أن تكون حلقة في هذه السلسلة؟
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع».
رواه مسلم في مقدمة صحيحه (5) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
التثبت في زمن وسائل التواصل
ما كان يحتاج قديمًا إلى مجالس وأيام لينتشر، صار اليوم ينتشر بضغطة زرّ. و«إعادة التوجيه» نقلٌ للكلام تجري عليه أحكامه كلها. فقبل أن تنشر أو تعيد الإرسال، اسأل نفسك:
- ما المصدر؟ هل هو معروف موثوق، أم «منقول» مجهول؟
- هل تحققتُ؟ هل رجعتُ إلى الأصل أو إلى صاحب الشأن؟
- هل في نشره مصلحة؟ ليس كل صحيح يُنشر.
- هل يؤذي أحدًا؟ في عِرضه أو سمعته أو رزقه.
- هل أنا أهلٌ للكلام فيه؟ فالأخبار العامة تُردّ إلى أهل العلم والاختصاص كما في آية النساء.
فإن لم تجد جوابًا مطمئنًا فالسلامة في السكوت: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه).
وللمزيد: تسعة أسباب لسلامة الصدر، والحسد على ألسنة العلماء والأدباء، وجهاد القلم واللسان: أمانة الكلمة.
الخلاصة
- التثبت في الأخبار أمر إلهي صريح: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
- ترك التثبت يوقع في أذيّة المسلمين، والقذف، وقطيعة الأرحام، وخراب البيوت.
- على السامع: حسن الظن، وعدم التسليم، والتبيّن، والإنكار على الناقل، والذبّ عن عِرض أخيه.
- على الناقل: مراجعة النية، والتثبت قبل النقل، والحذر من البهتان، وألّا يحدّث بكل ما سمع.
- «إعادة التوجيه» في وسائل التواصل نقلٌ للكلام تجري عليه هذه الأحكام كلها.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الغيبة والبهتان والنميمة؟
الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره مما هو فيه. والبهتان: ذكره بما ليس فيه. والنميمة: نقل كلام بعض الناس إلى بعض على وجه الإفساد بينهم.
هل يجوز نقل الخبر إذا كنت متأكدًا من صحته؟
صحة الخبر شرط وليست كافية؛ فلا بد مع ذلك من مصلحة شرعية في نقله، وألّا يكون فيه غيبة ولا نميمة ولا إشاعة للفاحشة. ويُستثنى ما دعت إليه الحاجة كالنصيحة، والتحذير من ضرر، ورفع المظلمة.
ماذا أفعل إذا وصلتني رسالة فيها خبر عن شخص أو جهة؟
لا تُعد إرسالها حتى تعرف مصدرها وتتحقق منها وتتيقّن من نفع نشرها. وإن كانت تمسّ عِرض أحد فاحذفها، وانصح من أرسلها.


