
يدخل الناس محالَّ الذهب كل يوم؛ فمنهم من يبدّل حليًّا قديمًا بجديد ويدفع الفرق، ومنهم من يشتري الحلي بالتقسيط، ثم يسألون: هل في ذلك ربا؟ والجواب مبنيٌّ على مسألة دقيقة بحثها الفقهاء قديمًا وحديثًا: هل تُخرج الصنعةُ المباحة الذهبَ والفضة عن كونهما نقدًا وثمنًا تجري عليه قواعد الصرف والربا، أم تُلحقهما بالسلع وعروض التجارة؟
وفي هذا المقال تحرير محل النزاع، ثم عرض القولين بأدلتهما معزوَّةً إلى مصادرها، ثم بيان أثر الخلاف في المعاملات المعاصرة، وما صدر فيها من قرارات المجامع وفتاوى دور الإفتاء.
تحرير محل النزاع
مواضع الاتفاق
- الذهب الخام والسبائك والنقود المضروبة: يجري فيها الربا باتفاق؛ فلا يُباع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد.
- المصوغ صياغةً محرَّمة، كأواني الذهب والفضة وحلي الذهب للرجال: لا عبرة بصنعته شرعًا، فلا تُقابَل بزيادة. وهذا مما يوافق عليه ابن القيم نفسه، قال: «إن كانت صياغته محرَّمة كالآنية حَرُم بيعه بجنسه وغير جنسه» (إعلام الموقعين 2/ 107).
- بيع الذهب، مصوغًا أو غير مصوغ، بغير الأثمان كالبُرِّ والثياب: جائز حالًّا ومؤجَّلًا.
موضع الخلاف
الحلي المباح المصنوع، كحلي النساء وخاتم الفضة للرجل: هل تزول عنه صفة الثمنية بالصنعة فيصير سلعة، فيجوز بيعه بجنسه متفاضلًا، وشراؤه بالنقود مؤجَّلًا؟
القول الأول: مذهب جمهور الفقهاء
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الذهب المصوغ لا يخرج بالصنعة عن كونه مالًا ربويًّا، فتجري فيه أحكام الربا والصرف كلها. وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
«والجيد والرديء، والتِّبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواءٌ في جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة والشافعي».
ابن قدامة، المغني (4/ 8)
«والسنة المجتمع عليها أنه لا يباع شيء من الذهب، عينًا كان أو تبرًا أو مصوغًا أو نُقَرًا أو جيدًا أو رديئًا، بشيء من الذهب إلا مثلًا بمثل يدًا بيد».
ابن عبد البر، الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 634)
ما يترتب على هذا القول
- مبادلة الذهب المصوغ بذهب، خامًا كان أو مصوغًا: يشترط فيها التماثل في الوزن والتقابض في مجلس العقد، ولا تجوز زيادةٌ نقدية أو عينية في مقابل الصنعة أو الجودة.
- شراء الذهب المصوغ بالنقود الورقية: يجوز فيه التفاضل لاختلاف الجنس، ويجب التقابض في المجلس؛ لأن النقود الورقية لها حكم الأثمان. فلا يصح شراء الحلي بالتقسيط ولا بالدَّين المؤجل.
أدلة الجمهور
أولًا: عموم النصوص النبوية في الذهب والفضة
«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
أخرجه مسلم (1587) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه
«لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ».
أخرجه البخاري (2177) ومسلم (1584) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ومعنى «لا تُشِفُّوا»: لا تُفضِّلوا
«الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا».
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 632)، ومسلم (1588) بنحوه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
واللفظ عام يشمل التبر والمضروب والمصوغ والمكسور.
«قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والوَرِق، من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحُليٍّ وتبر، وغير ذلك، وسواءٌ الخالص والمخلوط بغيره، وهذا كله مجمع عليه».
النووي، شرح صحيح مسلم (11/ 10)
ثانيًا: التنصيص على التبر والعين
«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا … فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى».
أخرجه أبو داود (3349) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وصححه الألباني
والتبر: الذهب قبل ضربه وصياغته، والعين: المضروب منه.
ثالثًا: حديث القلادة
عن فَضالة بن عُبيد رضي الله عنه قال: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ».
وفي رواية: «اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ».
أخرجهما مسلم (1591)
ووجه الدلالة: أن القلادة حُليٌّ مصوغ، ومع ذلك أوجب النبي ﷺ فصل ذهبها لتتحقق المماثلة في الوزن.
رابعًا: إنكار الصحابة بيع المصوغ بأكثر من وزنه
عن أبي الأشعث قال: غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضة، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها في أعطيات الناس، فبلغ ذلك عبادةَ بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ «يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ … إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، فردَّ الناس ما أخذوا.
أخرجه مسلم (1587)
عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سِقايةً من ذهب أو وَرِق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ «يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ». ثم كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: «أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ».
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 634)
خامسًا: أثر ابن عمر مع الصائغ
عن مجاهد قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي. فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردِّد عليه المسألة وعبد الله ينهاه، ثم قال: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا، وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ».
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 633)
وهو أصرح الآثار في المسألة؛ لأن السؤال فيه عن أجرة الصنعة بعينها.
سادسًا: إلغاء أثر الجودة، والصنعة مثلها
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جَنيب، فقال: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»، وقال في الميزان مثل ذلك.
أخرجه البخاري (2302، 2303) ومسلم (1593)
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر بَرْنيٍّ، فقال له: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» قال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع. فقال النبي ﷺ: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ».
أخرجه البخاري (2312) ومسلم (1594)
ووجه الدلالة: أن الشارع لم يُجِز التفاضل لأجل الجودة في الجنس الواحد، وقوله «وقال في الميزان مثل ذلك» يُدخل الموزونات، والذهبُ والفضة رأسُها. والصنعة وصفٌ كالجودة، فلا تُقابَل بزيادة.
القول الثاني: اختيار ابن تيمية وابن القيم
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الذهب المصوغ صياغةً مباحة يخرج بالصنعة عن مقصود الأثمان، ويصير سلعةً من السلع كالثياب.
وهذا القول مرويٌّ عن معاوية رضي الله عنه كما تقدم في قصة السِّقاية، وحُكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر ذلك أصحابه ونفوه عنه (المغني 4/ 8).
«ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويُجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالًّا أو مؤجَّلًا، ما لم يُقصد كونها ثمنًا».
ابن تيمية، الاختيارات الفقهية (ص 127)؛ المستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 17)
ما يترتب على هذا القول
- يجوز بيع الذهب المصوغ بذهب غير مصوغ متفاضلًا، وتكون الزيادة في مقابلة الصنعة.
- يجوز شراء الحلي المصوغ بثمن مؤجَّل أو مقسَّط؛ لأنه صار سلعة مقصودة لعينها.
- قيدُ ذلك كله: أن تكون الصياغة مباحة، وألّا يُقصد بالمصوغ أن يكون ثمنًا يُتعامل به.
تعليلات القول الثاني
أولًا: زوال علة الثمنية بالصنعة
علة الربا في النقدين كونهما أثمانًا تُقوَّم بها الأشياء ولا تُقصد لأعيانها، والحلي المصنوع صار مقصودًا لعينه ومنفعته.
«الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع».
ابن القيم، إعلام الموقعين (2/ 108)
ثانيًا: اعتبار قيمة الصنعة ورفع الحرج
«فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها؛ فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يُلزِم الأمة بذلك».
ابن القيم، إعلام الموقعين (2/ 107)
وذكر ابن القيم أن إلزام الناس ببيعها بجنس آخر، أو تكليفهم الاستصناع، فيه «من الحرج والعسر والمشقة ما تتَّقيه الشريعة».
ثالثًا: ما حُرِّم سدًّا للذريعة يُباح للمصلحة الراجحة
«تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة … وما حُرِّم سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة، كما أُبيحت العرايا من ربا الفضل».
ابن القيم، إعلام الموقعين (2/ 108)
رابعًا: النصوص عامة تقبل التخصيص
«والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا يُنكَر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي».
ابن القيم، إعلام الموقعين (2/ 108)
خامسًا: عمل الناس في العهد النبوي
استدل ابن القيم بأن النساء كنَّ يلبسن الحلي ويتصدقن به، وأن المحتاج يبيعه، وقال: «ومعلوم قطعًا أنها لا تُباع بوزنها فإنه سفه»، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها (إعلام الموقعين 2/ 108).
مناقشة الأدلة
ما أجاب به أصحاب القول الثاني عن أدلة الجمهور
- النصوص عامة أو مطلقة، وتخصيصها بالقياس الجلي سائغ، كما خُصَّت نصوص الزكاة في الذهب والفضة بإخراج الحلي المباح منها عند الجمهور.
- إنكار عبادة على معاوية كان في آنية الفضة، وصياغتها محرَّمة. قال ابن القيم: «وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية؛ فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرَّمة بالأثمان» (إعلام الموقعين 2/ 107).
- قال ابن القيم: «لا يُعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يُباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف» (إعلام الموقعين 2/ 108).
ما يُجاب به من جهة الجمهور
- حديث القلادة واردٌ في حليٍّ مصوغ صياغةً مباحة، وقد أُمر بفصل ذهبه ووزنه، فلا يُحمل على الصياغة المحرَّمة.
- أثر ابن عمر مع الصائغ صريح في منع أخذ الزيادة في مقابل عمل اليد، وقد عزاه ابن عمر إلى عهد النبي ﷺ.
- قياس الربا على الزكاة قياسٌ مع الفارق؛ فالزكاة منوطة بالنماء والإرصاد له، والربا منوط بالجنس والثمنية.
- العرايا رخصةٌ ثبتت بالنص في قدر محدود، فلا يُقاس عليها ما جاء النص بمنعه.
وسبب الخلاف في الحقيقة: هل العلة في النقدين غلبةُ الثمنية الملازمة لجوهر الذهب والفضة فلا تزول بالصنعة، أم الثمنيةُ بالفعل فتزول إذا صار الذهب حليًّا مقصودًا لعينه؟
والمسألة من مسائل الاجتهاد التي يُؤجر فيها المجتهد وإن أخطأ، فلا يسوغ فيها التشنيع على أحد القولين.
التطبيق المعاصر: أحكام المعاملات الشائعة
| المعاملة | عند الجمهور والمجامع الفقهية | عند ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما |
|---|---|---|
| استبدال ذهب قديم بجديد مع دفع الفرق | لا يجوز. والمخرج: أن يبيع القديم ويقبض ثمنه نقدًا، ثم يشتري الجديد بعقد مستقل | يجوز إذا كانت الزيادة في مقابلة الصنعة المباحة |
| شراء الحلي بالنقود الورقية مع التقابض في المجلس | يجوز؛ لاختلاف الجنس مع تحقق التقابض | يجوز |
| شراء الحلي بالتقسيط أو بالدَّين المؤجل | لا يجوز؛ لاشتراط التقابض في المجلس | يجوز؛ لأن الحلي المصوغ صار سلعة |
| شراء السبائك والعملات الذهبية بالتقسيط | لا يجوز | لا يجوز؛ لأنها باقية على الثمنية |
ويقوم القبض الحكمي مقام القبض باليد عند المانعين، كالدفع ببطاقة الخصم الفوري والشيك المصدَّق.
شراء الحلي بالأجل، عند من يجيزه، دَينٌ في الذمة يجب الوفاء به؛ وقد جاءت النصوص بـالتحذير من التساهل في الديون.
قرارات المجامع وفتاوى دور الإفتاء
مجمع الفقه الإسلامي الدولي
نص قراره رقم 84 (1/ 9) في دورته التاسعة بأبو ظبي (ذو القعدة 1415هـ، أبريل 1995م) على أنه «يجوز شراء الذهب والفضة بالشيكات المصدَّقة، على أن يتم التقابض بالمجلس»، وعلى «تأكيد ما ذهب إليه عامة الفقهاء من عدم جواز مبادلة الذهب المصوغ بذهب مصوغ أكثر مقدارًا منه؛ لأنه لا عبرة في مبادلة الذهب بالذهب بالجودة أو الصياغة» (مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع).
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
قررت في قرارها رقم (10) أن الورق النقدي نقدٌ قائم بذاته، يجري فيه الربا بنوعيه كما يجري في الذهب والفضة، وأصدرت قرارًا بعدم جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه متفاضلًا لأجل الصنعة (توضيح الأحكام للبسام 4/ 390–391).
دار الإفتاء المصرية
أخذت بالقول الثاني في الفتوى رقم 4001 بتاريخ 2 أبريل 2017م، وفيها أنه لا مانع شرعًا من شراء الذهب المصوغ وبيعه بثمن مؤجَّل كله أو بعضه، وأنه يجوز استبدال الجديد بالقديم مع دفع ثمن الصناعة، بشرط ألّا تكون الصياغة محرَّمة.
فالخلاف في المسألة قائمٌ بين جهات الفتوى المعاصرة، وليس خلافًا تاريخيًّا فحسب.
أسئلة شائعة
هل يجوز شراء الذهب بالتقسيط؟
السبائك والعملات الذهبية لا يجوز شراؤها بالتقسيط على القولين. وأما الحلي المصوغ فهو محل الخلاف: يمنعه الجمهور والمجامع الفقهية لاشتراط التقابض في المجلس، ويجيزه ابن تيمية وابن القيم، وبه أفتت دار الإفتاء المصرية.
هل يجوز استبدال الذهب القديم بالجديد مع دفع الفرق؟
لا يجوز عند الجمهور؛ لاشتراط التماثل في بيع الذهب بالذهب. ويجوز على القول الثاني إذا كانت الزيادة في مقابلة الصنعة المباحة.
كيف يخرج المشتري من الخلاف؟
يبيع ذهبه القديم ويقبض ثمنه، ثم يشتري الجديد بعقد مستقل ويدفع ثمنه كاملًا في المجلس. وهذه الصورة جائزة على القولين.
هل يختلف حكم الذهب المصوغ إذا كان محرَّم الصياغة؟
نعم؛ الصياغة المحرَّمة، كأواني الذهب والفضة وحلي الذهب للرجال، لا عبرة بها باتفاق القولين، فلا تُقابَل بزيادة.
الخلاصة
الأصل المعتمد عند عامة الفقهاء والمجامع الفقهية أن الذهب المصوغ باقٍ على أصله الربوي: يجب التقابض عند شرائه بالنقود، ويجب التماثل والتقابض عند مبادلته بذهب آخر.
وفي المقابل قولٌ معلَّل لابن تيمية وابن القيم، أخذت به دار الإفتاء المصرية، يرى أن الحلي المباح خرج بالصنعة إلى حكم السلع؛ اعتبارًا لقيمة الصنعة ورفعًا للحرج.
والخروج من الخلاف متيسِّر في أكثر الصور: يبيع المرء ذهبه القديم ويقبض ثمنه، ثم يشتري الجديد بعقد مستقل ويدفع ثمنه في المجلس. والله أعلم.
المصادر والمراجع
كتب السنة
- صحيح البخاري: الأحاديث (2177، 2302، 2303، 2312).
- صحيح مسلم: الأحاديث (1584، 1587، 1588، 1591، 1593، 1594).
- سنن أبي داود: الحديث (3349).
- موطأ مالك، رواية يحيى الليثي: كتاب البيوع (2/ 632–634).
كتب الشروح والفقه
- النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (11/ 10).
- ابن قدامة، المغني (4/ 8).
- ابن عبد البر، الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 634).
- ابن تيمية، الاختيارات الفقهية (ص 127)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 17).
- ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، طبعة دار الكتب العلمية (2/ 107–109).
البحوث والقرارات المعاصرة
- مجلة مجمع الفقه الإسلامي: العدد التاسع (9/ 47، 202، 209، 255)، والعدد الثاني عشر (12/ 1360).
- دبيان الدبيان، المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (11/ 276، 296–297).
- عبد الله البسام، توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 388–391).
- حمد الحمد، شرح زاد المستقنع (13/ 137–138).
- محمد المختار الشنقيطي، شرح زاد المستقنع (الدرس 162).
- عبد الكريم الخضير، شرح بلوغ المرام (الدرس 82).
- فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام (6/ 83).
- أبو بكر الحمادي، تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل (8/ 431).
- فقه المعاملات، مجموعة من المؤلفين (3/ 480، 483).
- فقه التاجر المسلم (1/ 157)، وفقه المعاملات المعاصرة (1/ 4).
- أحكام الخواتيم (2/ 717).
- مجلة البحوث الإسلامية (46/ 223)، ومجلة البيان (101/ 34).
الفتاوى
- دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم 4001: حكم شراء وبيع الذهب بالتقسيط، 2 أبريل 2017م.
- فتاوى إسلامية (2/ 353، 389).
- مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان (2/ 516).
- دروس للشيخ العثيمين (11/ 183).
- فتاوى يسألونك (14/ 201).
- الفتاوى الاقتصادية (1/ 473).
- فتاوى الشبكة الإسلامية، وموقع الإسلام سؤال وجواب.

