جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الآداب والرقائق26 سبتمبر 2019
جهاد القلم واللسان: أمانة الكلمة ومنزلة الجهاد بالحجة والبيان — إسماعيل العضامي

الكلمة أمانة، والقلم سلاح، وكم من كلمة صادقة ردّت عن الأمة عدوًّا، وأحيت في القلوب دينًا، وبقيت بعد صاحبها قرونًا. وفي هذا المقال وقفة مع جهاد القلم واللسان: منزلته في القرآن والسنة، وكلام أهل العلم فيه، ونموذج من رجاله في عصرنا.

جهاد القلم واللسان

الجهاد بالكلمة في القرآن والسنة

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهاد وهو في مكة، قبل أن يُؤذن له في القتال، فقال سبحانه:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]

أي: جاهدهم بالقرآن، وسمّى الله ذلك «جهادًا كبيرًا»، وهو جهاد بالحجة والبيان لا بالسيف والسنان.

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ».

رواه أبو داود (2504) والنسائي

وقال صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه: «اهْجُهُمْ -أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ».

متفق عليه

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».

رواه أبو داود (4344) والترمذي (2174) وابن ماجه

فاللسان والقلم ميدان من ميادين الجهاد، يدخله العالم ببيانه، والشاعر بشعره، والكاتب بقلمه، وكلٌّ على ثغر.

كلام ابن القيم: الجهاد بالحجة جهاد الأئمة

قال ابن القيم رحمه الله: «وإنما جُعل طلب العلم من سبيل الله؛ لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد. ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير. والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين؛ لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه».

مفتاح دار السعادة (1/ 70)

فليس المراد التهوين من شأن القتال في سبيل الله إذا قام سببه واستُوفيت شروطه، وإنما المراد أن جهاد الكلمة دائم لا ينقطع، وأنه لا يقوم به إلا من جمع العلم والصدق والشجاعة، وأن حاجة الأمة إليه في كل زمان ومكان.

محمود شاكر وأمانة القلم

من الذين عاشوا لهذا الثغر في عصرنا العلامة أبو فهر محمود محمد شاكر رحمه الله. كان يرى قلمه أمانة حملها ليصدع بالحق جهارًا من غير مداهنة ولا مواربة، ويصرّح بأنه لو علم من نفسه العجز عن حملها بحقها لألقى القلم، وكان يعدّ نفسه «جنديًّا من جنود هذه العربية»، ويقول ما معناه: لو وجد سلاحًا أمضى من قلمه لكان مكانه ساحة القتال في فلسطين، لكنه نذر ألا يكفّ هذا القلم عن الدفاع عن أمته ما استطاع أن يحمله بين أنامله، وما وجد موضعًا يقول فيه الحق ويدعو إليه، لا يصرفه عن الصراحة فيه رغبة ولا رهبة.

وهكذا يكون صاحب الرسالة: يعرف ثغره فيلزمه، ولا يبيع قلمه، ولا يكتم حقًّا يعلمه. وانظر نماذج أخرى في مقال: هؤلاء عاشوا لأداء رسالة عظيمة.

لا تمت فيُطوى معك تاريخك

حبيبي في الله، إياك أن تموت فيُطوى معك تاريخك، ويوضع معك في قبرك تحت التراب، فلا يُنشر منه شيء إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.

من عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لدين الله عاش كريمًا ومات كريمًا، وتناقلت سيرتَه وأخبارَه الأجيال.

قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».

رواه مسلم (1631)

فالكلمة النافعة التي تكتبها اليوم علمٌ يُنتفع به، يجري عليك أجره وأنت في قبرك. وما أحسن قول القحطاني الأندلسي في نونيته:

أنا تمرةُ الأحبابِ حنظلةُ العِداأنا غُصّةٌ في حلقِ مَن عاداني

كيف تجاهد بقلمك ولسانك؟

  • تعلّم قبل أن تتكلم: فالجهاد بالحجة لا يكون إلا بعلم، ومن تكلم بغير علم أفسد أكثر مما يصلح.
  • أخلص النية: اكتب لله لا للشهرة ولا للغلبة، فما كان لله دام واتصل.
  • تثبّت واصدق: لا تنقل إلا ما تحققت منه، ولا تنسب إلى أحد ما لم يقله.
  • ادعُ بالحكمة: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
  • اثبت على ثغرك: فقليل دائم خير من كثير منقطع، وربّ مقال قصير هدى الله به قلبًا.

الخلاصة

  • الجهاد بالكلمة مشروع بنص القرآن والسنة، وقد سمّاه الله «جهادًا كبيرًا».
  • قرر ابن القيم أن الجهاد بالحجة والبيان جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وأنه أفضل الجهادين لعظم منفعته.
  • القلم أمانة، ومن حملها فليصدع بالحق من غير مداهنة.
  • الكلمة النافعة علم يُنتفع به، يبقى أجره لصاحبه بعد موته.

اللهم أقمنا في صفوف المدافعين عن مجد هذه الأمة، واغرس فينا حب جهاد اللسان والبنان، ومتّعنا بحسن السيرة.