
من أخطر ما يلقيه الشيطان في نفس الداعية والناصح أن يقول له: «كيف تأمر الناس بما لا تفعله؟ أصلح نفسك أولًا ثم عِظ غيرك». وظاهر هذا الكلام الورع والصدق، وباطنه تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ لا يوجد على وجه الأرض من سلم من التقصير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أصل الشبهة وجوابها
قرر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله أنه لا بد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير، ثم قال:
ولو لم يعظ إلا معصومٌ من الزلل لم يعظ الناسَ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ؛ لأنه لا عصمة لأحد بعده.
ابن رجب، لطائف المعارف (ص 19، ط. ابن حزم)
أقوال السلف في هذه الشبهة
الحسن البصري: «وأيُّنا يفعل ما يقول؟»
قيل للحسن: إن فلانًا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: وأيُّنا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطانُ أنه ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينهَ عن منكر.
سعيد بن جبير ومالك بن أنس
قال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومَن ذا الذي ليس فيه شيء؟!
عمر بن عبد العزيز: الخليفة يتهم نفسه
خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله يومًا فقال في موعظته:
إني لأقول هذه المقالة، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه.
وكتب إلى بعض نوابه على الأمصار كتابًا يعظه فيه، وقال في آخره:
وإني لأعظك بهذا، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير مُحكِمٍ لكثير من أمري، ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يُحكم نفسه إذن لتواكل الخير، وإذن لرُفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذن لاستُحلّت المحارم، وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض.
نقله ابن رجب في لطائف المعارف (ص 19)
لماذا يحب الشيطان هذه الشبهة؟
لأنها تحقق له غايته من غير أن يدعو أحدًا إلى معصية صريحة: يسكت الناصح، فيخلو الميدان لأهل الباطل. والشيطان وأعوانه يودّون ألا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، فإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه وبما ليس فيه، كما قيل:
التوازن المطلوب: لا تسكت ولا تتناقض
ليس معنى ما سبق أن يتهاون الداعية في إصلاح نفسه؛ فإن الله ذمّ من خالف قولُه فعلَه:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2–3]
«يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ».
متفق عليه: البخاري (3267)، ومسلم (2989) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما
فالواجب على المسلم أمران معًا، لا يُسقط أحدهما الآخر:
- أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته.
- أن يجاهد نفسه على العمل بما يقول، ويستغفر من تقصيره.
فمن قصّر في أحدهما لم يسقط عنه الآخر، والذنب لا يُعالج بذنب ثانٍ هو ترك النصيحة.
أسئلة شائعة
هل يجوز للمقصّر أن ينصح غيره؟
نعم، بل يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استطاعته، مع مجاهدة نفسه على الاستقامة؛ فالعصمة ليست شرطًا للنصيحة.
هل في الآيات ذمٌّ للأمر بالمعروف من المقصّر؟
الذمّ في الآيات منصبّ على ترك العمل ونسيان النفس، لا على الأمر بالمعروف نفسه؛ فالمذموم هو التناقض، والمطلوب هو الجمع بين القول والعمل.
الخلاصة
قول القائل: «لا أعظ حتى أصلح نفسي» شبهة إبليسية، لو أُخذ بها لتعطلت الدعوة وانتشر المنكر؛ فليس في الناس معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصواب أن يعظ المسلم غيره ويعظ نفسه معه، ويستغفر من تقصيره، ولا يجعل ذنبه حجة لسكوته. وانظر أيضًا: من أخلاق السلف.


