جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الآداب والرقائق29 سبتمبر 2019
أكل الحلال: أقوال السلف في طيب المطعم وأثره في لين القلب وإجابة الدعاء — إسماعيل العضامي

أكل الحلال فريضة على كل مسلم، به تطيب نفسه وحياته وعقله، ويلين قلبه، ويُستجاب دعاؤه. وقد كان السلف رحمهم الله أشد الناس تحرّيًا لطيب المطعم، وهذه مختارات من أقوالهم، تعقبها قصيدة رائعة في دواء القلب.

أكل الحلال في القرآن والسنة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾». ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟».

رواه مسلم (1015)

وقال صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ».

رواه البخاري (2059)

وهذا من أشراط الساعة وفساد الزمان، فليحذر المسلم أن يكون من أهله.

من أقوال السلف في أكل الحلال

أقوال السلف في أكل الحلال

عبد الله بن عمرو: أربع خلال

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أربع خلال إذا أُعطيتهن لم يضرّك ما عُزل عنك من الدنيا: حسن خليقة، وعفاف طعمة، وصدق حديث، وحفظ أمانة».

الزهد لابن المبارك (1191)

الإمام أحمد: بأكل الحلال تلين القلوب

قال عمر بن صالح: سألت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد-: بمَ تلين القلوب؟ فأبصر إليّ، ثم أطرق ساعة، ثم قال: «بأي شيء؟ بأكل الحلال».

طبقات الحنابلة

وقال الإمام أحمد: «بأكل الحلال تطمئن القلوب وتلين».

زاد المسافر (4/ 77)

وكان يقول: «ليتّقِ الله العبد، ولا يُطعمهم إلا حلالًا» -يعني عياله-.

الورع للمروذي (92)

وهب بن منبه: من صفات العاقل

ذكر وهب بن منبه أن من صفات الرجل العاقل: «أن يكون الفقر في الحلال أحبّ إليه من الغنى في الحرام».

الزهري: ما الزهد؟

قيل للإمام ابن شهاب الزهري: ما الزهد؟ فقال: «من لم يمنع الحلالُ شكرَه، ولم يغلب الحرامُ صبرَه».

أي: الزاهد من إذا رُزق الحلال شكر الله عليه، وإذا عرض له الحرام صبر عنه.

الفضيل بن عياض: حزب الله

قال الفضيل بن عياض: «من عقل ما يدخل جوفه من حِلّه كان من حزب الله عز وجل».

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (46)

سعيد بن جبير: إضاعة المال

سئل سعيد بن جبير عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فقال: «هو أن يرزقك الله حلالًا، فتنفقه فيما حرّم الله عليك».

إصلاح المال لابن أبي الدنيا (113)

ابن تيمية: بركة الحلال ومحق الحرام

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقليل من الحلال يُبارك فيه، والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى».

مجموع الفتاوى (28/ 646)

ثمرات أكل الحلال

  • إجابة الدعاء، كما في حديث «فأنى يستجاب لذلك».
  • لين القلب وطمأنينته، كما قال الإمام أحمد.
  • البركة في القليل، ومحق الكثير الحرام.
  • صلاح الذرية؛ فمن أطعم أهله الحلال نشؤوا على الطيب.
  • قبول العمل؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

قصيدة: ذهبت إلى الطبيب أُريه حالي

وهذه قصيدة رائعة يبثّ فيها الشاعر شكواه إلى الطبيب، لكنها ليست شكوى من تعب الجسد، بل من تقصيره في جنب الله، وفيها سؤاله: «هل أكلت من الحلال؟»، وهي رسالة للقارئ أن يكون اهتمامه بمرض قلبه وإيمانه أعظم من اهتمامه بمرض بدنه:

قصيدة ذهبت إلى الطبيب أريه حالي
ذهبـتُ إلى الطبيبِ أُريه حاليوهل يدري الطبيبُ بما جرى لي؟
جلستُ فقال: ما شكواك؟ صِفْهافقلتُ: الحالُ أبلغُ من مقالي
أتيتُك يا طبيبُ على يقينٍبأنك لستَ تملكُ ما ببالي
أنا لا أشتكي الحُمّى احتجاجًابلِ الحُمّى التي تشكو احتمالي
فتحتُ إليك حلقي كي تراهفقلْ لي: هل أكلتُ من الحلالِ؟
أتعرفُ يا طبيبُ دواءَ قلبي؟فداءُ القلبِ أعظمُ من هُزالي
كشفتُ إليك عن صدري أجبنيأتسمعُ فيه للقرآنِ تالِ؟
تقولُ بأنّ ما فيَّ التهابٌورشحٌ، ما أجبتَ على سؤالي
وضعتَ على فمي المقياسَ قلْ ليأسهمُ حرارةِ الإيمانِ عالِ؟
سقامي من مقارفةِ الخطاياوليس من الزكامِ ولا السعالِ
فإن كنتَ الطبيبَ فما علاجٌلذنبٍ فوقَ رأسي كالجبالِ؟

الخلاصة

  • أكل الحلال فريضة، والحرام يمنع إجابة الدعاء.
  • كان السلف يرون أكل الحلال سببًا للين القلب وطمأنينته.
  • القليل من الحلال مبارك، والكثير من الحرام ممحوق.
  • مرض القلب بالذنوب أخطر من مرض البدن، ودواؤه التوبة وطيب المطعم والقرآن.

اقرأ أيضًا: لماذا تتأخر إجابة الدعاء؟