
أول أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أن العقيدة توقيفية مبنية على الكتاب والسنة، ليس فيها مجال للآراء والأهواء، ولا للعقول المجردة والأذواق والمواجيد. وبهذا الأصل حُفظت عقيدة أهل السنة من التبديل، وبمخالفته تفرّقت الفرق.

معنى أن العقيدة توقيفية
معنى «توقيفية»: أنها لا تثبت إلا بالكتاب والسنة، وليس فيها آراء ولا أقوال لأحد من البشر. فهي عقيدة ربانية؛ لأن مصدرها من الرب سبحانه، فأهل السنة يقتبسون عقيدتهم من الكتاب والسنة، لا من عقل ولا ذوق ولا كشف، ولا يجعلون شيئًا من ذلك معارضًا للوحي، بل إن صحّ من هذه الأشياء شيء جعلوه معضّدًا للكتاب والسنة لا مستقلًّا عنهما.
قال الزهري رحمه الله:
«من الله عز وجل الرسالة، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم».
الأدلة على هذا الأصل
قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال تعالى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]
لا أحد أعلم بمراد الله من الله ورسوله
فلا أحد أعلم بمراد الله من الله، ولا أحد أعلم بمراد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنحن نأخذ معتقدنا من الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة ومن سار على منهجهم من التابعين وأتباعهم. فعقيدة أهل السنة ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل، وليس لأحد أن يتدخّل فيها بعقله ورأيه وهواه، قال تعالى:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]
الفرقة الناجية
ولهذا سُمّي أهل السنة بالفرقة الناجية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بالنجاة حين أخبر بافتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فلما سُئل عنها قال:
«مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي».
رواه الترمذي (2641) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسّنه، وعند أحمد وأبي داود من حديث معاوية: «وَهِيَ الْجَمَاعَةُ»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
رواه مسلم (1920) من حديث ثوبان
وقوع الافتراق حين خولف هذا الأصل
وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعندما بنى بعض الناس عقيدتهم على غير الكتاب والسنة -من علم الكلام وقواعد المنطق الموروثين عن فلاسفة اليونان- حصل الانحراف والتفرق في الاعتقاد، فنتج عنه اختلاف الكلمة، وتفرّق الجماعة، وتصدّع بناء المجتمع الإسلامي.
انحراف الصوفية في مصدر التلقي
فأهل السنة لا يأخذون عقيدتهم من شطحات الشيوخ، ولا من «السر» و«الإلهام» و«الحدس»، ولا يصدّقون من يقول: «حدّثني قلبي عن ربي». ومن أقوال غلاة الصوفية في ذلك:
قال أبو يزيد البسطامي (ت 261هـ): «أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت؛ يقول أمثالنا: حدّثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدّثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات. عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات».
وقال ابن عربي في «الفتوحات المكية» (1/ 257): «فشتّان بين مؤلّف يقول: حدثني فلان رحمه الله عن فلان رحمه الله، وبين من يقول: حدثني قلبي عن ربي…».
وقال الشعراني في «طبقاته» (1/ 5): «اعلم يا أخي… أن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ».
وهذا خطير جدًّا؛ فإن من ادّعى أنه يوحى إليه من الله مباشرة فقد افترى على الله الكذب، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93]
انحراف الرافضة في مصدر التلقي
وأما الرافضة فإنهم يأخذون دينهم عن أئمتهم، ويجعلونهم الواسطة بينهم وبين الله تعالى، ومن ذلك:
- قول المجلسي عن أئمتهم: «فإنهم حُجُب الربّ، والوسائط بينه وبين الخلق» (بحار الأنوار 23/ 97).
- وعقد بابًا بعنوان: «باب أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم» (بحار الأنوار 23/ 97).
- ونسبوا إلى أبي عبد الله قوله: «نحن السبب بينكم وبين الله عز وجل» (بحار الأنوار 23/ 101).
- وفي «عقائد الإمامية» للمظفر أن الأئمة الاثني عشر: «أبواب الله والسبل إليه… إنهم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق» (ص: 98–99).
- ونسبوا إلى أبي جعفر قوله: «بنا عُبد الله، وبنا عُرف الله، وبنا وُحّد الله» (بحار الأنوار 23/ 103).
وقد قرّر أهل العلم أن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم فقد كفر إجماعًا؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
الواسطة المشروعة والواسطة الممنوعة
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله؛ فإنّا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك، فأجاب بأنه إن أراد أنه لا بد من واسطة تبلّغنا أمر الله فهذا حق؛ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به وينهى عنه إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد واسطة يُدعى ويُرجى ويُتوكل عليه في جلب المنافع ودفع المضار فهذا من أعظم الشرك.
انحراف المتكلمين في مصدر التلقي
وأما المعتزلة ومن تأثر بهم من الأشاعرة وغيرهم فإنهم يقدّمون العقل على النقل، ولا يقبلون من نصوص الكتاب والسنة في باب الاعتقاد إلا ما وافق قواعدهم العقلية التي أصّلوها، ويؤوّلون ما خالفها.
أقوال الأئمة في وجوب تلقي العقيدة من الوحي
سأل نائب السلطان شيخ الإسلام ابن تيمية عن الاعتقاد، فقال:
«ليس الاعتقاد لي، ولا لمن هو أكبر مني، بل الاعتقاد يؤخذ عن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف الأمة؛ يؤخذ من كتاب الله تعالى، ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة، وما ثبت عن سلف الأمة».
وقال: «لا والله، ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث».
وقال: «هذا اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًّا».
مجموع الفتاوى لابن تيمية
وقال الشيخ ناصر العقل في «حراسة العقيدة»:
«والعقيدة توقيفية، لا يجوز تلقّيها من غير الوحي؛ لأنها غيب لا تحيط بها مدارك البشر ولا عقولهم ولا علومهم. والعقيدة غيبية في تفاصيلها، فلا تدركها العقول استقلالًا، ولا تحيط بها الأوهام، ولا تُدرك بالحواس والعلوم الإنسانية ولا غيرها، وكل من حاول تقرير العقيدة واستمدادها من غير مصادرها الشرعية فقد افترى على الله كذبًا، وقال على الله بغير علم».
مصادر التلقي عند أهل الأهواء
أما أهل الأهواء فقد تفرّقت بهم السبل في مصادر تلقّي الدين والعقيدة، فجعلوا منها:
- العقليات والآراء الشخصية والأوهام والظنون، وهي من اتباع الظن وما تهوى الأنفس.
- الفلسفة القائمة على أفكار الملاحدة والمشركين من الصابئة واليونان والهنود والدهريين.
- عقائد الأمم الأخرى: كتب أهل الكتاب وأقوالهم، والمجوس، والديانات الوضعية.
- الوضع والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة، بأسانيد وهمية.
- الرؤى والأحلام والكشف والذوق، ومصدرها الأهواء وإيحاء الشياطين.
- المتشابه والغريب والشاذ من الأدلة الشرعية واللغة وأقوال الناس.
- الاعتماد على آراء الرجال دون عرضها على الشرع، أو القول بعصمتهم وتقديسهم.
الخلاصة
- العقيدة توقيفية: لا تثبت إلا بالكتاب والسنة وما أجمع عليه السلف.
- العقل عند أهل السنة تابع للوحي لا حاكم عليه، والعقيدة ليست مذهبًا اجتهاديًّا.
- عقيدة أهل السنة متصلة السند بالصحابة والتابعين، وعقائد المبتدعة محدثة لا سند لها.
- انحرف الصوفية بالكشف والذوق، والرافضة بجعل الأئمة وسائط، والمتكلمون بتقديم العقل على النقل.
- الواسطة المشروعة هي واسطة التبليغ (الرسل)، أما واسطة الدعاء والتوكل فشرك.
اقرأ أيضًا: مصادر العقيدة عند أهل السنة والجماعة — منزلة العقل عند أهل السنة — معنى العقيدة لغة واصطلاحًا


