جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

لماذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة حسدًا؟ معنى الحسد ونوعاه عند ابن تيمية — إسماعيل العضامي

جاء في الحديث الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين»، فسمّى النبي صلى الله عليه وسلم تمنّي مثل نعمة الغير «حسدًا»، مع أن الناس يسمّونه «غبطة». فما حقيقة الحسد؟ وما نوعاه؟ ولماذا جاءت هذه التسمية؟

معنى الحسد ونوعاه

حقيقة الحسد

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«والتحقيق أن الحسد هو: البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود».

أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 15) بتصرف

نوعا الحسد

النوع الأول: كراهة النعمة على المحسود مطلقًا

وهذا هو الحسد المذموم؛ فإذا أبغض ذلك تألّم وتأذّى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضًا في قلبه، ويلتذّ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه زوال الألم الذي كان في نفسه.

النوع الثاني: كراهة فضل المحسود عليه مع حب مساواته

أن يكره فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد، وهو الذي سمّوه الغبطة، وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم حسدًا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ».

رواه البخاري (5026)

قال ابن تيمية: «فهذا الحسد الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا في موضعين، هو الذي سمّاه أولئك الغبطة».

لماذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة حسدًا؟

قلت: الجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن الباعث فيها رؤية فضل الغير

سمّاه حسدًا لأن صاحبه كره أن يفضله غيره في شيء من الخير، فتمنّى أن يكون مثله؛ فالذي حرّكه رؤية الخير والطاعة والبر عند غيره، ولم تحرّكه إرادة الخير الخالصة لوجه الله.

الوجه الثاني: أنها باب إلى الحسد المذموم

أن هذا الذي يغبط غيره إذا أطلق لنفسه العنان في التمادي في هذه الخصلة، ربما أدركه شيء من الحسد الحقيقي، وهو تمنّي زوال النعمة عن غيره.

ما الأكمل للمؤمن؟

فالأولى بالمسلم أن يجاهد نفسه حتى يأتي الخير لذات الخير، لا يحرّكه إلا حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا المنافسة ورؤية ما عند الغير. ومع ذلك فالمنافسة في الطاعات مشروعة محمودة، كما قال تعالى:

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

فالغبطة في الخير جائزة، بل ممدوحة في الموضعين اللذين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم، والأكمل منها أن يعمل العبد لله وحده، فإن رأى خيرًا عند غيره فرح له، وسأل الله من فضله.

الخلاصة

  • الحسد: بغض حسن حال المحسود وكراهته.
  • نوعان: كراهة النعمة على الغير وتمنّي زوالها (مذموم)، وكراهة فضله مع تمنّي مثله (الغبطة).
  • سمّى النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة حسدًا لأن الباعث عليها رؤية فضل الغير، ولأنها قد تجرّ إلى الحسد المذموم.
  • المنافسة في الخير مشروعة، والأكمل أن يعمل العبد لله وحده ويفرح بالخير لغيره.

اقرأ أيضًا: تسعة أسباب لسلامة الصدر من الغل والحسد