
علّق الله تعالى صيام رمضان بشهود الشهر، فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن دخول الشهر يُعرف بأحد أمرين: رؤية الهلال، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
متفق عليه: البخاري (1909) ومسلم (1081)
أولًا: ثبوت رمضان برؤية الهلال
الوجه الأول: أن يراه جمع كثير
إذا رأى الهلالَ جمعٌ كثير يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب ثبت الشهر برؤيتهم، ولا يشترط فيهم حينئذ العدالة ولا الذكورة؛ لأن خبرهم يفيد العلم.
الوجه الثاني: أن يراه شاهد واحد عدل
يثبت دخول رمضان عند جمهور العلماء بشهادة عدل واحد، احتياطًا للعبادة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ».
رواه أبو داود (2342)، وصححه ابن حبان والحاكم
والعدل هو من يجتنب الكبائر ويتقي الصغائر في غالب حاله؛ إذ لا يسلم أحد من الصغائر، وقد قالوا: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ولا تُقبل شهادة الفاسق عند جمهور العلماء، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا عمّ الفسق في مكان وتعذّر وجود العدول قُبل شهادة الأمثل فالأمثل من المعروفين بالصدق.
ويجب على من رأى الهلال أن يرفع شهادته إلى الجهة المختصة بإثبات الشهر، ولو كان واحدًا؛ لأنه قد يُعمل بشهادته.
ثبوت هلال شوال
أما هلال شوال فلا يثبت إلا برؤية جمع كثير، أو بشهادة عدلين؛ احتياطًا للخروج من العبادة.
ثانيًا: ثبوت رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يومًا
إذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لغيم أو غبار أو نحوهما، وجب إكمال شعبان ثلاثين يومًا، ثم يُصام رمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
والشهر القمري لا يخرج عن تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين؛ فإذا رُئي الهلال ليلة الثلاثين كان الشهر السابق ناقصًا، وإلا أُكمل ثلاثين. واليوم الذي يُشك فيه هو يوم الشك، ولا يجوز صيامه احتياطًا لرمضان. وانظر: عشرة أعمال في شهر شعبان.
ترائي الهلال فرض كفاية
يستحب للمسلمين أن يتراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان احتياطًا للصوم وحذرًا من الاختلاف؛ بل ذكر العلماء أن ترائي أهلة الشهور التي تتعلق بها العبادات -كرمضان وذي الحجة- فرض كفاية، فتساهل الناس فيه تقصير ينبغي لطلاب العلم أن يحيوا فيه السنة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ».
رواه أبو داود (2325)، وصححه ابن خزيمة والدارقطني
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ».
رواه الترمذي (687)
ماذا يقول من رأى الهلال؟
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: «اللَّهُمَّ أَهْلِلْهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ».
رواه الترمذي (3451) وحسّنه
وفي رواية عن ابن عمر عند الدارمي: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ».
مسألة: من رأى هلال رمضان وحده فرُدّت شهادته
اختلف العلماء فيمن رأى الهلال وحده ولم تُقبل شهادته على ثلاثة أقوال:
- يصوم ويفطر برؤيته سرًّا، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم؛ لأنه تيقن دخول الشهر.
- لا يعمل برؤيته مطلقًا، فيصوم ويفطر مع الناس، وهو رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
- يصوم برؤيته، ولا يفطر إلا مع الناس، وهو قول أبي حنيفة ومالك والمشهور عن أحمد.
والراجح -والله أعلم- القول الثالث؛ لأن صيامه برؤيته وحده قد دل عليه حديث ابن عمر، وأما الفطر فلا يكون إلا مع الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» رواه الترمذي (697)، ولأن الاحتياط في الخروج من العبادة آكد.
الخلاصة
| المسألة | الحكم |
|---|---|
| طرق ثبوت رمضان | رؤية الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين |
| عدد الشهود لرمضان | عدل واحد عند الجمهور، أو جمع كثير |
| عدد الشهود لشوال | عدلان، أو جمع كثير |
| ترائي الهلال | مستحب، وهو فرض كفاية على الأمة |
| من رأى الهلال وحده | يصوم برؤيته، ولا يفطر إلا مع الناس (الراجح) |
| يوم الشك | لا يُصام احتياطًا لرمضان |
أسئلة شائعة
هل يكفي الحساب الفلكي لإثبات دخول رمضان؟
الذي عليه جماهير العلماء أن دخول الشهر يثبت بالرؤية أو بإكمال العدة كما في الحديث، وأن الحساب لا يُعتمد في الإثبات، وإن استُعين به في نفي الرؤية المستحيلة عند بعض أهل العلم.
إذا رأى أهل بلد الهلال فهل يلزم سائر البلاد الصوم؟
في المسألة خلاف مشهور بين العلماء في اعتبار اختلاف المطالع، والأولى أن يصوم المسلم مع أهل بلده وما تعلنه الجهة المختصة فيه.
هل تُقبل شهادة المرأة في رؤية هلال رمضان؟
نعم، عند جماعة من أهل العلم كالحنابلة؛ لأنه خبر ديني كالرواية، يُقبل فيه خبر العدل ذكرًا كان أو أنثى.

