جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة20 أبريل 2020
منزلة العقل عند أهل السنة والجماعة: العقل والنقل وموقف السلف من علم الكلام — إسماعيل العضامي

أكرم الله الإنسان بالعقل، وجعله مناط التكليف، وأثنى في كتابه على أولي الألباب الذين يتفكرون ويتدبرون. لكن ما منزلة العقل في باب الاعتقاد؟ وهل يُقدَّم على نصوص الكتاب والسنة إذا ظُن تعارضهما؟ وما موقف السلف من علم الكلام والفلسفة؟ هذا ما يجيب عنه هذا المقال.

منزلة العقل عند أهل السنة والجماعة

مذهب أهل السنة: لا تعارض بين صحيح النقل وصريح العقل

من الأصول المعلومة في عقيدة أهل السنة والجماعة تقديم النص على العقل عند توهّم التعارض بينهما؛ وإلا ففي الحقيقة والواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح؛ لأن الذي خلق العقل هو الذي أنزل الوحي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وإن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه.

درء تعارض العقل والنقل

فإذا ظهر تعارض فسببه أحد أمرين: إما أن النقل غير صحيح الثبوت أو غير صريح الدلالة، وإما أن ما سُمّي عقلًا ليس عقلًا صريحًا، بل شبهة أو هوى.

وظيفة العقل عند أهل السنة

  • العقل شرط في فهم الشرع ومعرفته، ولا تكليف على من لا عقل له.
  • العقل يدل على صدق الرسول ويشهد بصحة ما جاء به إجمالًا.
  • العقل تابع للنقل فيما لا يستقل بإدراكه من الغيبيات وتفاصيل الأسماء والصفات وأحكام الشرع.
  • العقل لا يحيط بكيفية صفات الله، فعليه أن يقف عند حده، ويسلّم لما جاء به الوحي.

مذهب المتكلمين: تقديم العقل على النقل

خالفت الفرق الكلامية هذا الأصل فقدّمت العقل على النقل، ومن أشهر من قرر ذلك الأشاعرة فيما يُعرف بـ«القانون الكلي» في التأويل؛ وقد وُضعت بذوره في كتابات الباقلاني (ت 403هـ) والجويني (ت 478هـ)، ثم ألّف أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) «قانون التأويل»، ثم صاغه الفخر الرازي (ت 606هـ) في صورة مقدمات موجزة عوّل عليها من جاء بعده، وهو القانون الذي صدّر به شيخ الإسلام كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» ونقضه فيه.

ويقول السنوسي في شرح الكبرى: ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلًا عند العقل فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل… لأن العقل أصل لثبوت النبوات التي يتفرع عنها صحة النقل، فلزم من تكذيب العقل تكذيب النقل.

والجواب أن العقل دلّ على صدق الرسول، فإذا صدّقه لزمه قبول كل ما أخبر به، ولم يكن له أن يعارضه بعد ذلك؛ فالعقل كالعامي الذي دلّ غيره على المفتي، ثم لا يجوز له أن يقدّم رأيه على فتوى من دلّ عليه.

موقف السلف من علم الكلام

ذمّ السلف علم الكلام المحدث، وعدّوه ذريعة إلى الشك والارتياب، وتواترت عنهم في ذلك الأقوال، ومنها:

أقوال الإمام الشافعي

قال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك، أحبّ إليّ من أن يلقاه بشيء من الأهواء. وقال: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

وحكى عنه الغزالي في «الإحياء» قوله: لو يعلم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد. ولما دخل عليه حفص الفرد في مرضه قال له: لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه.

أقوال الإمام أحمد ومالك

قال الإمام أحمد: لا يفلح صاحب الكلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض.

وقال الإمام مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، قال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا.

كلام الحافظ ابن حجر

قال الحافظ ابن حجر: صحّ عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام، وعدّوه ذريعة للشك والارتياب… وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلّبهم حقائق الأمور من غيره… وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم.

فتح الباري، كتاب التوحيد

وقال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه: والسلف كانوا يتبعون الوارد، ولا يلتفتون إلى نحو تلك المباحث الكلامية التي استخرجها المتأخرون.

لماذا ذمّ السلف علم الكلام؟

  1. لأنه طريق محدث لم يسلكه الصحابة ولا التابعون في تقرير العقيدة.
  2. لأنه أعرض عن أدلة الوحي، وطلب حقائق الغيب من العقول القاصرة.
  3. لأنه أورث كثيرًا من أهله الحيرة والشك، حتى رجع عدد من أئمتهم عنه في آخر أعمارهم.
  4. لأنه أدى إلى تأويل الصفات وتعطيلها بدعوى مخالفتها للعقل.

الخلاصة

المسألةمذهب أهل السنةمذهب المتكلمين
العلاقة بين العقل والنقللا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقلقد يتعارضان
عند توهم التعارضيقدَّم النص، ويُتّهم الفهميقدَّم العقل، ويؤوَّل النص
مصدر معرفة الصفاتالكتاب والسنةالعقل، والنص تابع له
علم الكلاممذموم محدثأصل يُبنى عليه الاعتقاد

أسئلة شائعة

هل يذم أهل السنة العقل؟

لا، بل يعظمونه ويجعلونه مناط التكليف، وإنما يذمون تقديمه على الوحي، واستعماله فيما لا يستقل بإدراكه من الغيبيات.

ما المقصود بعلم الكلام؟

هو علم نشأ لتقرير العقائد بالأدلة العقلية والجدلية المأخوذة عن الفلسفة، كالكلام في الجوهر والعرض، وقد ذمه السلف لإعراضه عن طريقة القرآن والسنة.

ما أشهر كتاب في الرد على تقديم العقل على النقل؟

كتاب «درء تعارض العقل والنقل» لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وانظر أيضًا: مصادر العقيدة عند أهل السنة والجماعة، ووسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق.

شاهد الدرس مرئيًّا