جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الحكمة من تعدد الزوجات في الإسلام: ثماني حكم شرعية وضوابط العدل — إسماعيل العضامي

شرع الإسلام للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، بشرط العدل بين زوجاته، فقال تعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]

وقد عدّ العلامة الشنقيطي رحمه الله في «أضواء البيان» إباحةَ تعدد الزوجات إلى أربع من هدي القرآن للتي هي أقوم، مع إلزام الرجل بالاقتصار على واحدة إذا خاف ألا يعدل. وفي هذا المقال بيان الحكمة من تعدد الزوجات كما ذكرها أهل العلم، وضوابط العدل فيه، والجواب عن أشهر ما يُعترض به عليه.

الحكمة من تعدد الزوجات في الإسلام

الحكمة الأولى: الأعذار التي تعرض للمرأة الواحدة

المرأة الواحدة تحيض وتمرض وتنفس، إلى غير ذلك من العوارض المانعة من قيامها بأخص حقوق الزوجية، والرجل مستعد في عامة أحواله لطلب الولد وإعفاف نفسه؛ فلو حُبس على واحدة في أحوال أعذارها لتعطلت منافعه بغير ذنب منه.

الحكمة الثانية: إعفاف الرجل وغض بصره

في إباحة التعدد قضاءُ الوطر بالحلال، وطيب النفس، والبعد عن الفواحش؛ فإن ذلك يعين الرجل على غض بصره وحفظ فرجه، والابتعاد عما حرّم الله.

الحكمة الثالثة: كثرة النساء وتعرض الرجال لأسباب الموت

جرت العادة في كثير من البلاد والأزمان أن يكون الرجال أكثر تعرضًا لأسباب الموت من النساء، في الحروب والأسفار والأعمال الشاقة؛ فلو قُصر كل رجل على امرأة واحدة لبقي عدد كبير من النساء محرومات من الزواج، وفي ذلك من فساد الأخلاق وضياع الأعراض ما لا يخفى. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء يكثرن في آخر الزمان ويقل الرجال.

عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ… وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ».

متفق عليه: البخاري (81) ومسلم (2671)

الحكمة الرابعة: إعفاف النساء والإنفاق عليهن

ليست كل امرأة تجد رجلًا يتزوجها وحدها، فكان من رحمة الله أن أباح للرجل أن يعفّ أربعًا وينفق عليهن ويصونهن؛ وفي ذلك مصلحة ظاهرة لجنس النساء، فإن نصيب المرأة من زوج تشاركها فيه غيرها خير لها من الحرمان من الزوج بالكلية، ففيه إعفافها، والإنفاق عليها، وصيانتها والقيام بشأنها.

الحكمة الخامسة: قلة القادرين على الزواج من الرجال

النساء عامتهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا يقدرون على تكاليفه لفقرهم؛ فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء. فلو قُصر الواحد على الواحدة لضاع كثير من النساء بلا أزواج، وكان ذلك سببًا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة.

الحكمة السادسة: توسيع دائرة المصاهرة والترابط

في تزوج الرجل من أسر متعددة توسيع لروابط المصاهرة، وتقوية للتعاون والتآلف بين الأسر، فيكثر الترابط في المجتمع، ويتعاون الرجل مع أصهاره على أمور الدين والدنيا.

الحكمة السابعة: الحفاظ على الأسرة وتجنب الطلاق

إذا وقع خلاف بين الزوجين وتعذّر الصلح، أو لم تكفِ الزوجةُ زوجَها لسبب من الأسباب، فخير للرجل أن يتزوج بأخرى مع إبقائه على زوجته الأولى وحفظه لأولاده تحت رعايته، من أن يطلّقها فيتشتت الأولاد ويضيعوا.

الحكمة الثامنة: علاج عقم الزوجة

قد تكون المرأة عقيمًا لا تلد، وبينها وبين زوجها من المودة ما يمنعه من طلاقها؛ ففي حرمانه من الذرية ظلم له، وفي طلاقها ظلم أكبر لها، فكان التعدد حلًّا يحفظ حق الزوجين معًا.

ماذا يصنع الرجل إذا خاف ألا يعدل؟

إن خاف الرجل ألا يعدل بين زوجاته وجب عليه الاقتصار على واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

والعدل الواجب هو العدل في الحقوق الظاهرة: النفقة، والسكنى، والمبيت، وحسن العشرة. فالميل بتفضيل إحداهن على الأخرى في هذه الحقوق لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129].

أما الميل القلبي بمحبة إحداهن أكثر من غيرها فليس في وسع البشر دفعه؛ لأنه انفعال نفسي لا فعل اختياري، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129].

الجواب عن شبهة الخصام بين الضرائر

يزعم بعض أعداء الإسلام أن تعدد الزوجات يلزم منه الخصام الدائم والنكد في الحياة؛ لأن الرجل كلما أرضى إحدى الضرتين سخطت الأخرى. والجواب من وجهين:

  1. أن الخصام بين أفراد البيت الواحد لا ينفك عنه بيت ألبتة؛ فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه وأولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر معتاد ليس له كبير شأن.
  2. أنه لو فُرض أن في التعدد مفسدة من هذا الجنس، أو من جهة ما يجده قلب الزوجة الأولى، فهي مفسدة صغرى، تُقدَّم عليها المصالح العظمى التي ذكرناها: من صيانة النساء، وتيسير الزواج لهن، وتكثير عدد الأمة؛ والقاعدة المعروفة أن جلب المصلحة الراجحة مقدَّم على دفع المفسدة المرجوحة.

الخلاصة

أباح القرآن تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في ألا تُحرم من الزواج، ولمصلحة الرجل في ألا تتعطل منافعه حال أعذار المرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة في كثرة عددها وصيانة أعراضها. وهو تشريع حكيم وسط بين القلة المفضية إلى تعطيل بعض منافع الرجل، والكثرة التي هي مظنة العجز عن القيام بحقوق الزوجات؛ ولهذا وقف به الشرع عند أربع، وشرط فيه العدل.

أسئلة شائعة

ما حكم تعدد الزوجات في الإسلام؟

هو مباح للرجل إلى أربع زوجات، بشرط القدرة على النفقة والعدل بينهن في الحقوق الظاهرة، فإن خاف ألا يعدل لزمه الاقتصار على واحدة.

هل يجب على الرجل أن يسوّي بين زوجاته في المحبة؟

لا، فالمحبة القلبية لا يملكها الإنسان، وإنما الواجب العدل في النفقة والسكنى والمبيت وحسن العشرة.

هل يشترط رضا الزوجة الأولى أو إذنها في التعدد؟

لا يشترط ذلك شرعًا لصحة النكاح الثاني، لكن يحسن بالرجل أن يراعي مشاعرها ويحسن عشرتها، ولها أن تشترط في عقدها ألا يتزوج عليها، فإن قبل الشرط لزمه الوفاء به أو يثبت لها حق الفسخ عند من يصحح هذا الشرط.

اقرأ أيضًا في فقه الأسرة: أحكام النظر إلى المخطوبة، وفوائد النكاح وآفاته.