جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الآداب والرقائق23 سبتمبر 2019
شروط التوبة الصحيحة: ستة شروط لقبول التوبة بالأدلة من الكتاب والسنة — إسماعيل العضامي

التوبة وظيفة العمر، لا يستغني عنها مؤمن في يوم من أيامه؛ فما من أحد إلا وهو مقصّر في حق ربه، مذنب في ليله ونهاره. وقد أمر الله بها عباده المؤمنين جميعًا، ووعدهم عليها تكفير السيئات ودخول الجنات، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: 8]

غير أن التوبة ليست كلمة تقال باللسان، بل لها شروط لا تصح إلا بها. وفي هذا المقال بيان الشروط الستة للتوبة الصحيحة بأدلتها وكلام أهل العلم فيها.

وجوب التوبة في كل وقت

التوبة واجبة على الفور وفي كل وقت؛ إذ لا يخلو أحد من ذنب، وقد جعل الله من لم يتب ظالمًا، فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، وعلّق الفلاح بها فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».

رواه الترمذي (2499) وابن ماجه (4251)، وحسّنه الألباني

والله تعالى يحب التائبين من عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]؛ فلهذا كله ينبغي للعبد أن يحقق توبته بشروطها الصحيحة حتى تكون مقبولة عند الله تعالى.

شروط التوبة الصحيحة

الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى في التوبة

التوبة عبادة، والإخلاص شرط في جميع العبادات، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].

فيكون الباعث للعبد على التوبة خوفه من الله تعالى، ووجله من غضبه وسخطه، ومخافته من الوقوف بين يديه غدًا، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40–41].

فلا تصح توبة من تاب رياءً وسمعة، ولا من ترك الذنب لأجل جاهه ومكانته بين الناس، أو خوفًا على وظيفته، أو حفاظًا على صحته فحسب؛ إلا إذا صحّت نيته وصدق مع الله تعالى في ترك الذنب. ومن أمثلة ذلك:

  • من ترك الزنا والفاحشة خشية الأمراض المعدية وحدها، لا خوفًا من الله.
  • من ترك أخذ الرشوة لأنه خاف أن يكون معطيها من جهات الرقابة.
  • من ترك الخمر والمخدرات لأنه أفلس فلم يعد يقدر عليها.

فهؤلاء تاركون للذنب في الظاهر، لكنهم لا يسمَّون تائبين حتى يكون تركهم لله تعالى.

الشرط الثاني: الإقلاع عن الذنب

ترك الذنب والإقلاع عنه شرط من شروط قبول التوبة؛ إذ كيف يتوب من ذنب وهو ما زال مقيمًا عليه مصرًّا على فعله؟! والواجب على العبد أن يتوب من الذنوب كلها. لكن هل تصح التوبة من ذنب مع الإقامة على ذنب آخر؟ فصّل ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله فقال:

«والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به، ولا هو من نوعه، فتصح؛ كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلًا، فإن توبته من الربا صحيحة. وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه، أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر، أو بالعكس، فهذا لا تصح توبته؛ وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها… فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر».

مدارج السالكين (1/285)

الشرط الثالث: الندم على ما فات

الندم ركن التوبة الأعظم، وهو شدة الحزن على ما فرّط العبد في جنب الله تعالى. قال شقيق البلخي في تعريف التوبة النصوح: أن يُكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة.

والقلب الصادق في ندمه يتحسّر على أمور كثيرة، منها:

  • ارتكابه ما يُسخط الله تعالى ويستجلب غضبه ونقمته.
  • فوات حظه من رضا الله ومحبته ومعيته التي كتبها لأهل طاعته.
  • فوات نصيبه من العبودية التي خُلق من أجلها.
  • إتيانه ما يُغضب الملائكة وعباد الله الصالحين الذين يغضبون لغضب الله ويرضون لرضاه.
  • بُعده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفقته، ورفقة المؤمنين في الدنيا والآخرة؛ فإن الله لا يسوّي بين من أطاعه ومن عصاه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
  • فساد نفسه بسلوكها طريق الغواية والهوى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10].

الشرط الرابع: العزم على عدم العودة إلى الذنب

بأن يقطع التائب كل الأسباب الموصلة إلى الذنب، فلا يقاربه، بل يفرّ منه فراره من السبع الذي يخشى أن يفترسه. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]؛ فعلامة التوبة الحقيقية الثبات عليها والاستقامة بعدها.

فإن عاد إلى الذنب بعد توبة صحيحة فقد نصّ العلماء على أن ذلك يقدح في كمال توبته الأولى لا في صحتها؛ فمن تاب من الزنا توبة نصوحًا مستوفية لشروطها، ثم غلبته نفسه فعاد إليه، فتوبته الأولى صحيحة لا يعود عليه إثم ما تاب منه، لكنها ناقصة، ويلزمه أن يجدد التوبة من ذنبه الجديد.

قال الفضيل بن عياض: التوبة النصوح أن يكون الذنب نُصب عينيه، لا يزال كأنه ينظر إليه. وقال أبو بكر الوراق: هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك، كتوبة الثلاثة الذين خُلّفوا.

الشرط الخامس: أن تقع التوبة في زمن قبولها

للتوبة زمن تُقبل فيه، فإذا انقضى لم تنفع صاحبها، وذلك في موضعين:

الأول: قبل الغرغرة وحضور الموت. قال تعالى:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18]

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ».

رواه الترمذي (3537) وحسّنه

وذلك أن الناس جميعًا إذا بلغت الروح الحلقوم آمنوا وأيقنوا بما عند الله، فهذا إيمان اضطراري وتوبة اضطرارية لا اختيارية، فلا تُقبل. ولهذا لم يقبل الله توبة فرعون حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 90–91].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخِذٌ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ».

رواه أحمد والترمذي (3107)، وقال: حسن صحيح

الثاني: قبل طلوع الشمس من مغربها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».

رواه مسلم (2703)

الشرط السادس: رد المظالم إلى أصحابها

وهذا الشرط خاص بالذنوب المتعلقة بحقوق العباد، فلا بد مع الشروط السابقة من رد الحق إلى صاحبه أو استحلاله منه:

  • إن كانت المظلمة مالًا ردّه إلى صاحبه أو ورثته، فإن لم يعرفهم تصدّق به عنهم.
  • وإن كانت في البدن أو العِرض مكّن صاحبها من القصاص أو طلب منه العفو.
  • وإن كانت غيبة لم يعلم بها صاحبها، ويخشى إن أخبره أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم، فقد ذهب جماعة من المحققين إلى أنه يكفيه أن يستغفر له، ويذكره بخير في المواضع التي اغتابه فيها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».

رواه البخاري (2449)

الخلاصة: جدول شروط التوبة الصحيحة

الشرطمعناهدليله
الإخلاصأن يتوب لله لا لجاه أو صحة أو خوف من الناس﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
الإقلاعترك الذنب في الحال وعدم الإصرار عليهكلام ابن القيم في المدارج
الندمالحزن على ما فرّط في جنب الله«التوبة النصوح» عند السلف
العزمالعزم على ألا يعود إلى الذنب أبدًا﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾
زمن القبولقبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾
رد المظالمإعادة حقوق العباد أو استحلالهم«فليتحلله منه اليوم»

أسئلة شائعة

هل تصح التوبة من ذنب مع الإقامة على ذنب آخر؟

تصح التوبة من ذنب مع الإقامة على ذنب آخر ليس من جنسه، كمن تاب من الربا ولم يتب من الخمر، ولا تصح مع الإصرار على ذنب من نوعه، كما قرره ابن القيم.

إذا عاد التائب إلى الذنب فهل تبطل توبته الأولى؟

لا تبطل إذا كانت صحيحة مستوفية لشروطها، لكنها ناقصة الكمال، ويجب عليه أن يتوب توبة جديدة من ذنبه الجديد، ولا ييأس من رحمة الله.

كيف يتوب من اغتاب إنسانًا؟

يندم ويستغفر ويعزم على ألا يعود، فإن أمكنه استحلاله دون مفسدة فعل، وإلا دعا له وذكره بخير في المواضع التي اغتابه فيها.

هل تقبل توبة من تاب بعد أن عجز عن المعصية؟

تُقبل إذا ندم على ما فات وصدق في توبته لله؛ لأن الإقلاع حاصل والندم هو ركن التوبة، أما من ترك الذنب لعجزه فقط دون ندم ولا نية صادقة فليس بتائب.

نسأل الله أن يتوب علينا توبة نصوحًا، وأن يرزقنا الثبات عليها حتى نلقاه.