
العلماء ورثة الأنبياء، وبصلاحهم صلاح الأمة، فإذا فسد العالِم فسد بفساده خلق كثير. ومن هنا عظُم في الكتاب والسنة الوعيد على علماء السوء: الذين عرفوا الحق فكتموه، أو لبّسوه بالباطل، أو باعوه بثمن قليل. وفي هذه الخطبة: من هم؟ ولماذا كان خطرهم عظيمًا؟ وما صفاتهم؟ ومواقف من التاريخ.

من هم علماء السوء؟
علماء السوء هم الذين يفقهون معاني كتاب الله، ويعلمون حكم الله في المسائل التي يُفتون أو يقضون فيها، ولكنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، كما كان يفعل بعض علماء أهل الكتاب.
قال ابن القيم رحمه الله: «علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلمّوا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًّا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلّاء، وفي الحقيقة قطّاع الطرق».
الفوائد (ص 61)
تنبيه مهم: ليس كل عالم أخطأ في مسألة أو خالفك في اجتهاد يكون من علماء السوء؛ فالمجتهد المخطئ مأجور معذور. وإنما الكلام فيمن عرف الحق فكتمه أو حرّفه عمدًا طلبًا للدنيا. وتتبّع زلات العلماء والوقيعة فيهم من صفات أهل السوء أنفسهم كما سيأتي.
لماذا كان خطرهم على الأمة عظيمًا؟
- قدرتهم على إظهار الحق في صورة الباطل والعكس: فقد يعتمدون على عمومات مخصوصة، أو مطلقات مقيدة، أو مجملات مفسَّرة، أو أقوال شاذة، وهم يعلمون ذلك، وعامة الناس لا يعلمون، فيُضلّونهم في فهم أحكام الله، وينصرون الظالم ويخذلون المظلوم.
- أنهم يُمكَّنون ويُصدَّرون: فيظهرون أمام الأمة في الفتوى والقضاء، فيفتتن الجهّال بفتاواهم، وتمجّدهم وسائل الإعلام، فيتأكد عند الناس لبس الحق بالباطل.
- تصدّيهم لمن ينبّه على باطلهم: حرصًا على بقاء جاههم ومناصبهم التي تدرّ عليهم الأموال.
- أن العالِم موقِّع عن الله: ينظر عامة الناس إلى قوله على أنه الشرع، وعنده القول الفصل فيما يحيّرهم من أمور دينهم؛ فإذا خان الأمانة كان الضرر عامًّا.
ولهذا قيل: «صنفان إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والعلماء».
الآيات والأحاديث في ذم علماء السوء
ضرب الله المثل بعلماء السوء من أهل الكتاب تحذيرًا لهذه الأمة أن تسلك سبيلهم:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 159–160]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174]
وضرب الله لمن أوتي العلم فانسلخ منه أقبح الأمثال:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: 175–176]
فكل من لبّس الحق بالباطل، أو كتم الحق وهو يعلمه، فقد سلك سبيل أولئك واستحق هذا الوعيد.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه أبو داود (3664) وابن ماجه
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه أبو داود (3658) والترمذي (2649)
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ».
متفق عليه
من أقوال السلف
ومما أورده الغزالي في «إحياء علوم الدين» من الآثار في هذا الباب:
- قال يحيى بن معاذ: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طُلب بهما الدنيا.
- ويُروى عن عمر رضي الله عنه: إذا رأيتم العالم محبًّا للدنيا فاتهموه على دينكم؛ فإن كل محبّ يخوض فيما أحب.
- وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أُخرج حلاوة مناجاتي من قلبه.
عشر صفات يُعرف بها علماء السوء
- قلة الخشية من الله والتجرؤ على حدوده؛ فمن لم يخشَ الله فليس بعالم على الحقيقة مهما حوى من العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
- اتباع المتشابه بسبب الزيغ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7].
- كتمان العلم طلبًا لمصلحة أو خوفًا وجبنًا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187].
- إيثار الدنيا على الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16–17].
- التزلف إلى أصحاب السلطان طمعًا في دنياهم، من غير قيام بواجب النصح لهم بما يرضي الله.
- الاشتغال بالجدل والخصومات وإدخال الأمة في قضايا جانبية تزيد الفرقة وتوسّع الهوّة.
- التساهل في الشبهات والمعاصي وعدم التورع عن البدع.
- مخالفة العمل للقول: فأقوالهم تدعو إلى الدين، وأفعالهم تنفّر منه.
- تتبّع الزلات والهفوات وتجريح الأشخاص والهيئات، بلا عدل ولا إنصاف.
- الاستكبار والتعالي على الناس.
من مواقف التاريخ: فتنة خلق القرآن
من أشهر ما جرّه علماء السوء على الأمة: فتنة القول بخلق القرآن. فقد قرّب المأمون ثم المعتصم ثم الواثق رجالًا من أهل البدع، كأحمد بن أبي دؤاد، فزيّنوا لهم مذهب الاعتزال حتى تبنّوه، وامتحنوا عليه العلماء والأئمة، فسُجن من سُجن، وعُذّب من عُذّب.
وثبت في هذه المحنة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، فحُمل مقيّدًا، وحُبس نحو ثمانية وعشرين شهرًا، وضُرب بالسياط بين يدي المعتصم، وهو لا يزيد في كل مرة يُسأل فيها على أن يقول:
«أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى أقول به».
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي
وكان ابن أبي دؤاد هو الذي يحرّض الخليفة عليه. فانظر كيف كان عالم السوء سببًا في فتنة الأمة وامتحان أئمتها، وكيف كان ثبات عالم واحد صادق سببًا في حفظ عقيدتها!
في «طبقات الحنابلة» حكاية أخرى للمحنة يرويها سليمان السجزي، فيها غرائب لا تُعرف في الروايات المشهورة عن أهل بيت الإمام، فاكتفينا بما رواه ابنه صالح وابن عمه حنبل.
ومن صور هذه الخيانة في العصور المتأخرة: تسويغ إحلال القوانين الوضعية محل الشريعة في بعض بلاد المسلمين، بدعوى أن موادها لا تخرج عن قول في أحد المذاهب ولو كان ضعيفًا؛ فكان اتفاق أهل السياسة وبعض المنتسبين إلى العلم بابًا دخلت منه تلك القوانين.
مع الشعراء والأدباء
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
وقال آخر في وصف علماء الدنيا:
وقال آخر:
شعار العالم الصادق
وليكن شعار كل عالم وطالب علم ما قاله القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري لما رجع عن قول تبيّن له خطؤه:
«إذًا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحبّ إليّ من أن أكون رأسًا في الباطل».
تاريخ بغداد للخطيب (12/ 9)
فالعالم الرباني: يخشى الله، ويعمل بعلمه، ويصدع بالحق، ويرجع عن الخطأ، ولا يبيع دينه بدنيا غيره. وانظر: أثر التزكية والأدب في شخصية طالب العلم.
الخلاصة
- علماء السوء: من عرف الحق فكتمه أو حرّفه طلبًا للدنيا.
- خطرهم عظيم؛ لأن الناس يأخذون دينهم عنهم، ولأنهم يُلبسون الباطل ثوب الحق.
- جاء الوعيد الشديد في الكتاب والسنة على كتمان العلم وطلب الدنيا به ومخالفة القول للعمل.
- من أبرز صفاتهم: قلة الخشية، واتباع المتشابه، وكتمان الحق، وإيثار الدنيا، والكبر.
- لا يجوز التسرع في رمي عالمٍ بأنه من علماء السوء لمجرد خطأ اجتهادي.
- قدوتنا العلماء الربانيون، كالإمام أحمد الذي ثبت في المحنة فحفظ الله به السنة.


