جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

مقدمات في فقه الصيام: تعريفه وحكم صيام رمضان وأنواع الصوم وما يجب فيه التتابع — إسماعيل العضامي

قبل الدخول في تفاصيل أحكام الصيام، يحتاج المسلم إلى معرفة مقدماته الأساسية: ما الصيام؟ وما حكم صيام رمضان؟ وما أنواع الصوم وأثر ذلك في النية؟ وما الصيام الذي يجب فيه التتابع؟ وكيف يصوم من يعيش في بلاد يطول نهارها أو لا يتمايز فيها الليل من النهار؟ هذه المقدمات يجمعها هذا المقال.

تعريف الصيام لغة واصطلاحًا

الصيام لغة: مطلق الإمساك، ومنه قوله تعالى عن مريم عليها السلام: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]، أي: إمساكًا عن الكلام.

والصيام اصطلاحًا: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات، بنية، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، ممن هو أهل للصيام.

فركن الصوم: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وسائر المفطرات، مع النية، طول النهار.

حكم صيام رمضان

صيام رمضان ركن من أركان الإسلام، وفرض على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]

ومعنى ﴿كُتِبَ﴾: فُرض. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

متفق عليه: البخاري (8) ومسلم (16)

وفي حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في الأعرابي الذي سأل عن الإسلام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ»، قال: هل عليّ غيره؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» متفق عليه.

متى فُرض صيام رمضان؟

فُرض صيام رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة، فصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات.

حكم من جحد وجوب صيام رمضان

من جحد وجوب صيام رمضان وهو يعلم فقد كفر؛ لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، ويُستتاب. ويُستثنى من ذلك حديث العهد بالإسلام، ومن نشأ في بادية بعيدة عن العلم، فيُعلَّم ولا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة.

أنواع الصوم وأثرها في النية

معرفة أنواع الصوم لها فائدة في حكم النية، وفي حكم من أكل أو شرب قبل أن ينوي. والصوم أنواع:

  1. فرض معين: كصوم رمضان أداءً.
  2. فرض غير معين: كقضاء رمضان، وصيام الكفارات: كفارة القتل، والظهار، واليمين.
  3. واجب معين: كنذر يوم معين، كأن يقول: لله عليّ أن أصوم يوم الاثنين القادم.
  4. واجب غير معين: كالنذر المطلق، كأن يقول: لله عليّ أن أصوم يومًا.
  5. نفل معين: كصوم عرفة وعاشوراء والأيام البيض.
  6. نفل مطلق: كمن أراد أن يتطوع بصيام يوم من غير تعيين.
  7. صوم محرم أو مكروه: كصوم يومي العيد، وأيام التشريق لغير المتمتع والقارن العادم للهدي، ويوم الشك. ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم. وانظر: ثمانية أنواع من الصوم المحرم والمنهي عنه.

الصوم الواجب: يجب تبييت النية من الليل

الصوم الواجب بأنواعه (الأربعة الأولى) لا يصح إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر.

عن حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».

رواه أبو داود (2454) والترمذي (730) والنسائي (2331)، واختُلف في رفعه ووقفه

وأما النفل المعين كعرفة وعاشوراء، فالأولى تبييت النية له من الليل؛ لينال فضل اليوم كاملًا.

النفل المطلق: تصح نيته من النهار

يجوز أن ينوي صيام النفل المطلق أثناء النهار، بشرط ألا يكون قد تناول مفطرًا بعد طلوع الفجر.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ».

رواه مسلم (1154)

فإن كان قد أكل أو شرب بعد الفجر لم يصح منه صوم ذلك اليوم نفلًا، ولو أمسك بقية نهاره.

من أكل أو شرب ناسيًا

من نوى الصيام ثم أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، وصومه صحيح، فرضًا كان أو نفلًا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».

متفق عليه: البخاري (1933) ومسلم (1155)

أنواع الصيام من حيث التتابع والتفريق

صيام يجب فيه التتابع

  • صيام رمضان أداءً.
  • صيام كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4].
  • صيام كفارة القتل الخطأ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 92].
  • صيام كفارة الجماع في نهار رمضان: شهران متتابعان، كما في حديث الأعرابي في الصحيحين.
  • النذر الذي اشترط فيه صاحبه التتابع أو نواه، كأن يقول: لله عليّ أن أصوم أسبوعًا متتابعًا.

صيام يُخيَّر فيه بين التتابع والتفريق

  • قضاء رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، والتتابع فيه أفضل وأسرع في إبراء الذمة.
  • صيام التطوع.
  • صيام كفارة اليمين عند المالكية والشافعية في أحد قوليهم، وأوجب الحنفية والحنابلة فيه التتابع لقراءة ابن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات».
  • صيام المتمتع والقارن إذا عدم الهدي: ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
  • صيام فدية الأذى (حلق الرأس في الإحرام)، وجزاء الصيد.
  • النذر المطلق الذي لم يُشترط فيه التتابع ولم يُنوَ.

كيف يصوم أهل البلاد التي يطول نهارها أو لا ينتظم فيها الليل والنهار؟

الحالة الأولى: بلاد يتمايز فيها الليل من النهار

فيجب على أهلها صيام النهار كله، والفطر عند غروب الشمس، مهما طال النهار أو قصر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».

متفق عليه: البخاري (1954) ومسلم (1100)

ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو غلب على ظنه -بالتجربة أو إخبار طبيب ثقة- أن الصوم يُهلكه أو يُمرضه مرضًا شديدًا أو يزيد مرضه، أفطر، وقضى الأيام التي أفطرها في أي وقت يتمكن فيه من القضاء.

الحالة الثانية: بلاد لا تغيب فيها الشمس صيفًا أو لا تطلع شتاءً

كالبلاد القريبة من القطبين، كشمال كندا وألاسكا وجرينلاند وشمال الدول الإسكندنافية وروسيا، ولأهل العلم فيها قولان:

  1. يقدّرون لصيامهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم مما يتمايز فيه الليل والنهار، وهو قول جمهور المعاصرين، وبه صدرت قرارات المجامع الفقهية.
  2. يقدّرون بتوقيت مكة المكرمة، لأنها أم القرى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7].

ويستأنس للتقدير بحديث الدجال:

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه في حديث الدجال قال: قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ».

رواه مسلم (2937)

الخلاصة

المسألةالحكم باختصار
تعريف الصيامالإمساك عن المفطرات بنية من الفجر إلى المغرب
صيام رمضانركن من أركان الإسلام، وجاحده العالم كافر
النية في الواجبيجب تبييتها من الليل
النية في النفل المطلقتصح من النهار ما لم يتناول مفطرًا
الأكل ناسيًالا يفطر، ويتم صومه
ما يجب فيه التتابعرمضان، وكفارة الظهار والقتل والجماع، والنذر المشروط
قضاء رمضانيجوز متفرقًا، والتتابع أفضل
البلاد القطبيةتقدّر بأقرب البلاد إليها (قول الجمهور)

أسئلة شائعة

هل تكفي نية واحدة لصيام شهر رمضان كله؟

ذهب المالكية ورواية عن أحمد إلى أن نية واحدة في أوله تكفي ما لم يقطعه بعذر، والجمهور على أنه يلزم لكل يوم نية، ويكفي في النية العزم على الصوم والتسحر لأجله.

من طال عليه النهار فشق عليه الصوم ماذا يفعل؟

إن خشي الضرر الشديد أو الهلاك أفطر وقضى في وقت يستطيعه، وإلا لزمه الإتمام.

هل يجب قضاء رمضان متتابعًا؟

لا يجب، بل يجوز متفرقًا، والتتابع أفضل.

وانظر: فضائل الصيام، وبم يثبت دخول شهر رمضان؟.

شاهد الدرس مرئيًّا