جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة25 سبتمبر 2019
هل التوراة الموجودة اليوم هي المنزلة على موسى؟ حقائق من تاريخ كتابتها — إسماعيل العضامي

تتجدد بين حين وآخر أخبار عن «اكتشاف أقدم مخطوط للتوراة»، أو «العثور على أثر يرجع إلى عصر التوراة»، وتُقدَّم هذه الأخبار أحيانًا على أنها دليل على سلامة النص المتداول اليوم. وقد استوقفني خبر من هذا النوع: أعلنت جامعة بولونيا الإيطالية العثور على مخطوط للتوراة في محفوظات مكتبتها يرجع إلى العصور الوسطى، فعلّق أحد المسؤولين عن الآثار في مصر بأن أقدم مخطوط في العالم هو «المخطوط السينائي» الذي خرج قديمًا من دير سانت كاترين.

تاريخ كتابة التوراة

والسؤال الذي يعنينا: هل يثبت وجود مخطوط عمره مئات السنين أن التوراة الموجودة هي التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام؟ لنستعرض سريعًا تاريخ هذا الكتاب.

التوراة في القرآن الكريم

التوراة كتاب أنزله الله على موسى عليه السلام هدًى ونورًا، والإيمان بها -بوصفها كتابًا منزلًا- من الإيمان بالكتب، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]. وقد كتبها الله لموسى في الألواح:

﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145]

لكن الله أخبرنا أيضًا أن بني إسرائيل استُحفظوا عليها فلم يحفظوها، فحرّفوا وكتموا وكتبوا بأيديهم:

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79]

﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]

مراحل ضياع التوراة عبر التاريخ

1. الألواح بين يدي موسى عليه السلام

ذهب موسى لميقات ربه فأُعطي الألواح، ثم رجع فوجد قومه قد عبدوا العجل، فألقى الألواح من شدة الغضب، ثم أخذها لما سكن غضبه:

﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]

2. التابوت وما فيه

تذكر أسفار القوم أن الألواح وُضعت في التابوت (سفر التثنية 10: 1–5)، وكان التابوت معظّمًا عندهم يحملونه في حروبهم، وتذكر أيضًا أن أعداءهم انتزعوه منهم زمنًا (سفر صموئيل الأول، الإصحاح 4)، ويسميهم المفسرون: العمالقة.

3. عودة التابوت في عهد طالوت

لما أراد بنو إسرائيل أن يجتمعوا تحت راية ملك، بعث الله لهم طالوت، وجعل آية ملكه أن يرجع إليهم التابوت:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248]

ولفظ «بقية» يشعر بأن الذي بقي شيء يسير مما ترك آل موسى وآل هارون. ثم قتل داود عليه السلام جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة. وفي أسفارهم أنه لما وُضع التابوت في الهيكل زمن سليمان عليه السلام لم يكن فيه إلا لوحا الحجر (سفر الملوك الأول 8: 9).

4. انقطاع الصلة بالتوراة بعد سليمان

بعد سليمان عليه السلام انقسمت المملكة، وارتد كثير من بني إسرائيل إلى عبادة الأوثان، وتعرض بيت المقدس للنهب مرات، وغاب ذكر التوراة.

5. «اكتشاف» حلقيا الكاهن زمن يوشيا

في السنة الثامنة عشرة من حكم الملك يوشيا (نحو سنة 622 ق.م) أعلن الكاهن «حلقيا» أنه وجد «سفر الشريعة» في الهيكل (سفر الملوك الثاني، الإصحاح 22)، وكان ذلك بعد قرون طويلة من موسى عليه السلام، دون سند متصل يُعرف به كيف حُفظ هذا السفر طوال تلك المدة.

6. السبي البابلي وتدمير الهيكل

ثم ارتد القوم بعد يوشيا، وجاء بختنصر فدمّر بيت المقدس والهيكل (سنة 586 ق.م)، وساق بقية اليهود أسرى إلى بابل، ولم يبق لما كان عندهم من الأسفار أثر معلوم.

7. عزرا يعيد كتابة التوراة

بعد عودة اليهود من السبي ظهر الكاهن «عزرا» فأعاد كتابة الشريعة. وقد لاحظ المؤرخ ول ديورانت الفرق بين ما قرأه يوشيا وما قرأه عزرا، فقال:

لم يكن هذا الكتاب -كتاب عزرا- هو بعينه كتاب العهد الذي قرأه يوشيا من قبل؛ لأن هذا العهد قد جاء فيه بصريح العبارة أنه قُرئ على اليهود مرتين كاملتين في يوم واحد، على حين أن قراءة كتاب عزرا قد احتاجت إلى أسبوع.

ول ديورانت، قصة الحضارة (2/ 266)

8. محنة أنطيوخس

ثم تعرض بيت المقدس لمحنة على يد الملك السلوقي أنطيوخس الرابع (نحو سنة 168 ق.م)، الذي أمر بإحراق أسفار الشريعة وقتل من توجد عنده.

9. تدمير الهيكل على يد تيطس

وفي سنة 70م دمّر القائد الروماني تيطس أورشليم والهيكل تدميرًا شاملًا، بعد حرب بدأت سنة 66م.

جدول زمني موجز

المرحلةالزمن التقريبيما حدث
ألواح موسىالقرن الثالث عشر ق.م تقريبًانزول التوراة في الألواح
يوشيا وحلقيانحو 622 ق.مالإعلان عن العثور على سفر الشريعة
بختنصر586 ق.متدمير الهيكل والسبي البابلي
عزراالقرن الخامس ق.مإعادة كتابة الشريعة
أنطيوخس الرابعنحو 168 ق.مإحراق الأسفار
تيطس70متدمير أورشليم والهيكل

التواريخ تقريبية بحسب ما يذكره المؤرخون، وبعضها مختلف فيه.

ماذا يعني اكتشاف مخطوط قديم؟

وجود مخطوط عمره ألف سنة أو أكثر لا يثبت إلا أن هذا النص كان متداولًا في ذلك الزمن، ولا يثبت أنه هو ما أنزله الله على موسى عليه السلام قبل ذلك بأكثر من ألفي عام؛ إذ الفجوات الكبيرة في تاريخ النص لا يسدها مخطوط متأخر. ثم إن «المخطوط السينائي» المشار إليه في الخبر نسخة يونانية مترجمة من القرن الرابع الميلادي، تضم أسفار العهدين معًا، فليست أصلًا عبريًّا للتوراة.

التوراة والتلمود

والذي يحكم حياة اليهود الدينية اليوم ليس التوراة وحدها، بل التلمود، وهو مجموع شروح أحبارهم ورواياتهم الشفهية، ويتكون من قسمين: «المشنا» وهو المتن، و«الجمارا» وهي الشرح.

موقف المسلم من التوراة الموجودة

المسلم يؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام، ويؤمن بأن ما بأيدي أهل الكتاب اليوم قد دخله التحريف والتبديل، وأن القرآن هو المهيمن على الكتب قبله. وأما ما يرويه أهل الكتاب مما لا نعلم صدقه ولا كذبه، فقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوقف فيه:

«لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا».

أخرجه البخاري (4485)

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]

أسئلة شائعة

هل يؤمن المسلمون بالتوراة؟

نعم، يؤمنون بأن الله أنزلها على موسى عليه السلام، ولكنهم لا يعتقدون أن النص المتداول اليوم هو عين ما أُنزل.

ما الفرق بين التوراة والتلمود؟

التوراة عندهم هي الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى، أما التلمود فهو مجموع شروح الأحبار ورواياتهم، ويتكون من المشنا والجمارا.

هل يثبت المخطوط القديم صحة التوراة الحالية؟

لا؛ لأنه يثبت قِدَم النسخة فقط، ولا يسد الانقطاع الطويل في تاريخ النص بين موسى عليه السلام وزمن كتابة المخطوط.

الخلاصة

تاريخ التوراة سلسلة من الضياع وإعادة الكتابة: ألواح غاب أكثرها، وسفر «وُجد» بعد قرون، ثم سبي وتدمير، ثم إعادة كتابة على يد عزرا، ثم إحراق وتدمير جديدان. ولذلك لا داعي للتبجح بوجود نسخ قديمة من التوراة أو من بعضها؛ فإن أصحابها أنفسهم لا يستطيعون إثبات اتصالها بموسى عليه السلام تاريخيًّا، والقرآن الكريم قد حسم المسألة بإخباره عن تحريفهم الكلم عن مواضعه.