
قصة الأهلي والزمالك قصة طويلة، لها تاريخ طويل، ولكليهما صولات وجولات، وارتفاعات وانخفاضات، هزائم وانتصارات، شدّ وجذب… ثم ماذا؟!

نعم: ثم ماذا؟ لماذا لا يسأل أحدنا نفسه هذا السؤال؟
الكرة لعبة!
الكرة لعبة… هل تصدّق هذه الحقيقة البسيطة؟ وددت لو كررتها آلاف المرات: الكرة لعبة، والنادي الذي تشجعه أشخاص يلعبون.
لو وجدت ابنك يلعب أيام امتحاناته لنهرته، ولقلت له كلما غضبت عليه: «كنت تلعب!». فهل تغيّر مدلول الكلمة حين صرت أنت المشغول باللعب؟!
يا ابن العشرين… ويا ابن الثلاثين… ويا ابن الأربعين والخمسين والستين: أهذه قيمتكم؟ أهذه أقصى أمانيكم: أن يفوز النادي الذي تشجعونه؟!
أيها العاقل، يا من ركّب الله فيك عقلًا، وكرّمك وأسجد ملائكته لأبيك آدم، قف وقفة صادقة مع نفسك واسألها: أهذه قيمتي؟ أهذه منزلتي؟ أهذه همّتي؟
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
«لعبة».. ولكن!
لعبة تُنفق من أجلها المليارات
تُنفق المليارات على تجهيز الأندية، وشراء اللاعبين، ورواتب المدربين والإداريين، حتى إن اللاعب الواحد قد يُشترى بما يعادل ميزانية دولة فقيرة، وقد يفوق راتب المدرب راتب رئيس الوزراء في البلد نفسه!
لعبة تضيع من أجلها الصلوات
من أجلها تُضيّع الصلوات وتُهجر المساجد، وتُسهر الليالي، وتُهدر الأعمار والأوقات الفاضلة.
لعبة تُفسد الأخوّة
من أجلها يسبّ الناس بعضهم بعضًا، بل يسب بعضهم دين بعض والعياذ بالله! وتمتلئ صفحات مواقع التواصل بالسب والقذف والهمز واللمز والاستهزاء، ويتعادى الأصدقاء والأسر والعائلات، بل الشعوب ذات الدين الواحد واللغة الواحدة، وينعقد الولاء والبراء على فريق!
«سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
متفق عليه: البخاري (48)، ومسلم (64)
لعبة تُراق من أجلها الدماء
واذكروا مأساة استاد بورسعيد سنة 2012، حين قُتل أكثر من سبعين مشجعًا في ليلة واحدة بسبب مباراة!
لعبة تُغيَّب بها العقول
يصبح لاعب الكرة أشهر وأغنى من كبار العلماء والأطباء والمهندسين والمخترعين، وتصير أقصى أمنية الشاب أن يكون لاعبًا محترفًا، وتُخصص للّعبة القنوات والصحف والإذاعات والمعلقون والبرامج.
لعبة تُخرج المرأة من حيائها
من أجلها تزاحم بعض النساء الرجال في المدرجات، ويخرجن إلى الشوارع يرقصن ويصفقن ويكشفن ما أمر الله بستره احتفالًا بفوز الفريق!
لعبة تشغل الناس عن مصائبهم
تفرغ الشوارع والمؤسسات أثناء المباريات الكبرى، حتى قال بعضهم ساخرًا: «أنسب وقت لاحتلال البلد وقت مباراة القمة!». وقد غرقت عبّارة «السلام 98» سنة 2006 ومات فيها المئات، والناس في غمرة متابعة البطولة القارية!
صفحات من تاريخ هذه اللعبة
ومن طرائف التاريخ أن هذه اللعبة كانت تُمنع في إنجلترا واسكتلندا بمراسيم ملكية لما تجلبه من الفوضى والشرور:
- صدر في لندن باسم الملك إدوارد الثاني (سنة 1314م) مرسوم بمنعها في المدينة، معلَّلًا بالضوضاء الكبيرة التي يُخشى منها شرور كثيرة، وجعل عقوبة مخالفته السجن.
- وصدرت قوانين ضدها في عهد هنري الرابع، ثم هنري الثامن.
- وفي سنة 1424م صدر في اسكتلندا في عهد الملك جيمس الأول قانون نصّه: «لا أحد يجب أن يلعب كرة القدم».
- وأصدرت الملكة إليزابيث الأولى قانونًا يعاقب من يلعبها بالسجن أسبوعًا، مع كفارة للكنيسة.
ومع ذلك ازدادت اللعبة انتشارًا، حتى صارت في القرن التاسع عشر اللعبة الشعبية الأولى في بريطانيا، ووُضعت لها قوانين في المدارس الإنجليزية الكبرى، ثم «قوانين كامبريدج» سنة 1848م، التي صارت أساسًا لقوانينها الحديثة. وتذكر بعض الروايات المتداولة قصصًا بشعة عن بداياتها لا يثبت أكثرها تاريخيًّا.
هذه الوقائع التاريخية مذكورة على وجه الإجمال كما يتناقلها مؤرخو اللعبة.
رأس ساحر.. أم كرة؟
دار في خيالي مرة أن هذه الكرة رأسُ ساحرٍ قديم، هدّد الملك قبل أن يقطع رأسه بأن يذيقه وذريته وأهل مملكته الويلات، فلما قُطع رأسه جعل الملك وحاشيته يركلونه بأرجلهم ويضحكون، فكلما لعبوا به جُنّ جنونهم واشتد صراخهم، حتى تقاتلوا فقتل بعضهم بعضًا، وهلكوا بأيديهم لا بيد عدوهم!
قد يقول قائل: هذا خيال محموم! ربما… لكن أجبني بصراحة: ألا ترى هذه الصورة تتكرر في المدرجات وعلى صفحات التواصل وفي البيوت؟!
ما الموقف الشرعي الصحيح؟
لا ينكر عاقل أن الرياضة في أصلها نافعة للبدن، وأن لعب الكرة مباح في الأصل إذا خلا من المحاذير، والإسلام يحب القوة النافعة:
«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ».
أخرجه مسلم (2664)
لكن المباح ينقلب محرّمًا إذا اقترن به ما يحرم، ومن ذلك:
- تضييع الصلوات أو تأخيرها عن وقتها.
- التعصب الذي يورث العداوة والسب واللعن.
- كشف العورات واختلاط الرجال بالنساء.
- المراهنات والقمار.
- إهدار الأوقات والأموال فيما لا ينفع.
- عقد الولاء والبراء على الأندية بدل الدين.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]
همسة في أذنك
هي همسة في أذنك يا حبيب: اتق الله في نفسك، في عمرك، في أخلاقك، في أولادك وبناتك، في زوجك، في أموالك. سيسألك ربك عن هذا كله، فأعدّ للسؤال جوابًا: عن الأعمار والأوقات التي أُهدرت، والألفاظ التي قيلت، والصلوات التي ضُيّعت، والحقوق التي ضاعت بسبب هذا التعصب.
«لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ».
أخرجه الترمذي (2417) وقال: حسن صحيح
أسئلة شائعة
هل لعب كرة القدم حرام؟
لا، الأصل فيه الإباحة إذا خلا من المحاذير الشرعية: كتضييع الصلاة، وكشف العورة، والقمار، والتعصب، وإهدار الأوقات.
ما حكم التعصب لنادٍ رياضي؟
التعصب الذي يورث السب والعداوة والبغضاء بين المسلمين محرّم؛ لأنه يفرّق ما أمر الله بجمعه، ويعقد الولاء على غير الدين.
الخلاصة
الكرة لعبة، فلتبقَ في حجمها: رياضة يُروَّح بها عن النفس ويُقوّى بها البدن، لا قضية عمر يُوالى عليها ويُعادى، وتُضيّع من أجلها الصلوات والأخوّة والأوقات. وانظر أيضًا: عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها.


