
نتحدث في هذه الخطبة عن ظاهرة تفشّت في مجتمعات المسلمين، تؤرّق استقرارها وتهزّ اجتماعها، وشرّدت كثيرًا من الأسر؛ همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار، وربما خصومات ومحاكم وسجون: إنها ظاهرة الديون. والحديث عنها في ست وقفات.

الوقفة الأولى: حرمة أموال الناس في القرآن
حرّم الله عز وجل أكل أموال الناس بالباطل، ومن أعظم صوره: أن يأخذ الإنسان مال غيره دَينًا ثم لا يردّه إليه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]
ولعِظم شأن الدَّين أنزل الله فيه أطول آية في كتابه، يأمر فيها بكتابته والإشهاد عليه حفظًا للحقوق:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]
الوقفة الثانية: تشديد السنة النبوية في أمر الدَّين
قال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا».
متفق عليه
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».
رواه مسلم (1886)
وعن محمد بن جحش رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: «سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟» فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته: يا رسول الله، ما هذا التشديد الذي نُزّل؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ».
رواه النسائي (4684) بسند حسن
وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله، تُكفَّر عني خطاياي؟ فقال: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي ذَلِكَ».
رواه مسلم (1885)
فإذا كانت الشهادة في سبيل الله -وهي ما هي- لا تكفّر الدَّين، فكيف يتهاون فيه متهاون؟!
الوقفة الثالثة: لماذا يغرق الناس في الديون؟
الناظر في حال مجتمعاتنا يرى حالة مَرَضية من الإغراق في الدَّين، ولذلك أسباب:
- الاستخفاف بشأن الدَّين والجهل بخطورته.
- الإسراف في المطاعم والمشارب وأمور المعيشة.
- الترف والمفاخرة وحب التكثر ومجاراة الأغنياء.
- العادات المخالفة للشرع: كالمغالاة في المهور، وتكاليف الأفراح والحفلات والمناسبات والمصايف.
- تيسّر أسباب الاقتراض: عن طريق البنوك وبطاقات الائتمان والتقسيط.
- الرغبة الجامحة في الثراء والمغامرة بأموال الناس في المشروعات والصفقات.
واحذر أشد الحذر من القروض الربوية؛ فإنها تزيد الدَّين ولا تقضيه، وقد قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].
الوقفة الرابعة: مخاطر الدَّين
في الدنيا
1. امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المَدين:
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟» قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أُتي بجنازة أخرى فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟» قالوا: نعم، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». قال أبو قتادة: عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه.
رواه البخاري (2295)
2. أن الدَّين يجرّ صاحبه إلى الإثم:
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
متفق عليه
3. أنه همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار.
4. ما يتعرض له المَدين من الخصومات والمحاكم والسجن، وتشتت أسرته.
في الآخرة
1. نفس المؤمن معلّقة بدَينه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
رواه الترمذي (1078) وابن ماجه وأحمد
وعن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر فقال: «هَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَحَدٌ؟» ثلاثًا، فقال رجل: أنا، فقال: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسٌ عَنِ الْجَنَّةِ بِدَيْنِهِ».
رواه أحمد وأبو داود (3341) والنسائي
2. المَدين لا يستريح في قبره حتى يُقضى عنه:
عن جابر رضي الله عنه قال: توفي رجل فغسّلناه وحنّطناه وكفّنّاه، ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فخطا خُطًى ثم قال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قلنا: ديناران، فانصرف، فتحمّلهما أبو قتادة، فقال: الديناران عليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟» قال: نعم، فصلى عليه. ثم قال بعد ذلك بيوم: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟» فقال: إنما مات أمس! فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ».
رواه أحمد (14536) بسند حسن
3. من استدان وهو لا ينوي الوفاء لقي الله سارقًا:
عن صهيب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا».
رواه ابن ماجه (2410)
4. الدَّين يُقضى يوم القيامة من الحسنات:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».
رواه ابن ماجه (2414)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ».
رواه البخاري (6534)
5. البراءة من الدَّين من أسباب دخول الجنة:
عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فَارَقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: الْكِبْرِ، وَالْغُلُولِ، وَالدَّيْنِ».
رواه الترمذي (1572) وابن ماجه وأحمد
الوقفة الخامسة: علاج مشكلة الدَّين
1. الدعاء: أدعية قضاء الدَّين
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أسمعه يُكثر أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
رواه البخاري (6369)
وعن أبي وائل قال: أتى عليًّا رضي الله عنه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين، إني عجزت عن مكاتبتي فأعنّي. فقال: ألا أعلّمك كلمات علّمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل صِيرٍ دَينًا أدّاه الله عنك؟ قل: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».
رواه الترمذي (3563) وحسّنه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم فاطمة رضي الله عنها أن تقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ».
رواه مسلم (2713)
2. الاقتصاد في المعيشة
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]
وعن عبيد الله بن مِحصن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
رواه الترمذي (2346) وحسّنه
ولما نزل بسلمان رضي الله عنه الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخشى ألا نكون حفظنا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنه كان يقول: «لِيَكُنْ بَلَاغُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ».
رواه ابن ماجه (4104) وأحمد
3. القناعة
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ».
رواه مسلم (1054)
وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ».
رواه الترمذي (2349) وأحمد
4. المسارعة إلى قضاء الدَّين
فإن عبدًا يخشى ربه، ويسمع هذه النصوص المعظّمة لأمر الدَّين، لا يليق به أن يتباطأ عن سداد ما عليه وهو قادر.
قال صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».
متفق عليه
5. حسن القضاء وشكر الدائن
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا»، ثم قال: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ»، قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنّه، فقال: «أَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً».
متفق عليه
6. توثيق الدَّين والوصية به
اكتب ما لك وما عليك كما أمر الله في آية الدَّين، وأشهِد عليه، وأخبر أهلك به؛ حتى لا تضيع حقوق الناس إن فاجأك الموت.
الوقفة السادسة: رسائل إلى المَدين وإلى أهل المعروف
يا صاحب الدَّين
- لا تحزن: فاحتياجك إلى المال ليس من هوانك على الله؛ فقد اقترض النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. رواه البخاري.
- عليك بالتقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2–3].
- انوِ الوفاء من أول يوم: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» رواه البخاري (2387).
- لا تقترض إلا لحاجة حقيقية: لا تقترض لتغيير السيارة أو الهاتف أو لأمور ترفيهية يمكن الاستغناء عنها.
- بُثّ شكواك إلى الله: الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
يا أهل السعة والمعروف
جعل الله المال عند بعض خلقه ابتلاءً لهم: أيشكرون أم يكفرون؟ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: 165]. فعلى أهل السعة أمور:
أولًا: أقرضوا المحتاج قرضًا حسنًا.
قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
متفق عليه
وقال صلى الله عليه وسلم: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ».
رواه الحاكم، وصححه الألباني
ثانيًا: أنظِروا المعسر.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]
قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ».
رواه مسلم (3006)
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ».
رواه أحمد
فتذكّر أن هذه الأيام التي تؤخرها عن غريمك مدّخرة لك حسناتٍ في ميزانك.
وقصّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم خبر تاجر كان يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، «فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ».
متفق عليه
ثالثًا: يسّروا وسامحوا.
قال صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».
رواه البخاري (2076)
أسئلة شائعة
ما دعاء قضاء الدَّين؟
من أصح ما ورد: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك»، و«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال».
هل يُغفر الدَّين للشهيد؟
لا؛ فالشهادة تكفّر الذنوب كلها إلا الدَّين، كما في صحيح مسلم؛ لأنه حق آدمي لا يسقط إلا بالأداء أو العفو.
مات قريبي وعليه دَين، ماذا نفعل؟
يُبادر إلى قضاء دَينه من تركته قبل قسمتها، فإن لم يترك وفاءً استُحب لأهله أن يقضوا عنه، كما قضى أبو قتادة رضي الله عنه عن الميت.
الخلاصة
- الدَّين أمانة، والتهاون في ردّه من أكل أموال الناس بالباطل.
- شدّد النبي صلى الله عليه وسلم في أمره، حتى إن الشهادة لا تكفّره.
- أسباب الإغراق فيه: الإسراف، والمفاخرة، والعادات، وسهولة الاقتراض.
- خطره في الدنيا همّ وذلّ وإثم، وفي الآخرة حبس عن الجنة وقضاء من الحسنات.
- علاجه: الدعاء، والاقتصاد، والقناعة، والمبادرة بالسداد، ونية الوفاء.
- على أهل السعة: القرض الحسن، وإنظار المعسر، والسماحة.


