جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

أحوال السلف في العشر من ذي الحجة: كيف كانوا يغتنمونها؟ — إسماعيل العضامي

قال أبو حنيفة رحمه الله: «الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم». وقال بعض السلف: «الحكايات جند من جنود الله، يثبّت الله بها قلوب أوليائه». فأخبار السلف نقلٌ لأنفاس الحياة النبوية، وتجسيد لما كان عليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان.

وفي هذا المقال صور من أحوالهم في أفضل أيام الدنيا: العشر الأول من ذي الحجة.

فضل العشر في السنة

«مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».

أخرجه البخاري (969) بنحوه، وأبو داود (2438) واللفظ له

اجتهاد السلف العام في العشر

رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألفُ يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم. يعني في الفضل.

البيهقي، شعب الإيمان (3/ 358)، وابن عساكر، تاريخ دمشق (54/ 239)

وعن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يُصام نهارها، ويُحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بشهادة.

البيهقي، شعب الإيمان (3/ 355)

كان سعيد بن جبير إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه. وكان يقول: لا تطفئوا سُرُجكم ليالي العشر. ويقول: أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة.

سنن الدارمي (2/ 41)، وسير أعلام النبلاء (4/ 326)

1. تعظيم العشر وصيانتها

التعظيم سيد العبادة، وكل عبادة بلا تعظيم خاوية، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]

وكان السلف يصونون هذه الأيام أن يشوبها لغو أو رفث أو مجادلة أو إضاعة وقت أو كثرة سمر:

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أتيت يحيى بن معين أيام العشر -عشر ذي الحجة- وكان معي شيء مكتوب -يعني: تسمية ناقلي الآثار- وكنت أسأله خفيًّا فيجيبني، فلما أكثرت عليه قال: عندك مكتوب؟ قلت: نعم، فأخذه فنظر فيه فقال: أيامًا مثل هذه وذِكرُ الناس فيها؟! فأبى أن يجيبني، وقال: لو سألت من حفظك شيئًا لأجبتك، فأما أن تدوّنه فإني أكره.

ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (1/ 317)

2. الإكثار من ذكر الله والتكبير

كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما.

ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله الفاكهي في أخبار مكة

وروى جعفر الفريابي من رواية يزيد بن أبي زياد قال: رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدًا -أو اثنين من هؤلاء الثلاثة- ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

ابن رجب، فتح الباري (9/ 8–9)

وعن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وإنهم ليكبّرون في العشر.

وعن ثابت البناني قال: كان الناس يكبّرون أيام العشر حتى نهاهم الحجاج، والأمر بمكة على ذلك إلى اليوم، يكبّر الناس في الأسواق في العشر.

الفاكهي، أخبار مكة (3/ 10)

وعن مجاهد: أنه كره القراءة في الطواف أيام العشر، وكان يستحب فيه التسبيح والتهليل والتكبير، ولم يكن يرى بها بأسًا قبل العشر ولا بعدها.

الفاكهي، أخبار مكة (1/ 225)

وقال مسكين أبو هريرة: سمعت مجاهدًا -وكبّر رجل أيام العشر- فقال مجاهد: أفلا رفع صوته؟! فلقد أدركتهم وإن الرجل ليكبّر في المسجد فيرتجّ بها أهل المسجد، ثم يخرج الصوت إلى أهل الوادي حتى يبلغ الأبطح فيرتجّ بها أهل الأبطح، وإنما أصلها من رجل واحد.

مصنف ابن أبي شيبة (3/ 250)

فيُسنّ في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله والتكبير في البيوت والطرقات والأسواق والمجامع، يجهر به الرجال.

3. صيام العشر

وأعظمها صيام يوم عرفة لغير الحاج:

«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».

أخرجه مسلم (1162)

عن هُنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس».

أخرجه أحمد، وأبو داود (2437) واللفظ له، والنسائي، وصححه الألباني، وفي إسناده اختلاف على هنيدة

وعن الحسن البصري قال: صيام يوم من العشر يعدل شهرين.

ذكره السيوطي في الدر المنثور (8/ 501)

وقال عبد الله بن عون: كان محمد بن سيرين يصوم العشر -عشر ذي الحجة كلها- فإذا مضى العشر ومضت أيام التشريق أفطر تسعة أيام مثل ما صام.

وقال ليث بن أبي سليم: كان مجاهد يصوم العشر، وكان عطاء يتكلّفها.

مصنف ابن أبي شيبة (2/ 300)

قضاء رمضان في العشر

  • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا بأس بقضاء رمضان في العشر».
  • وكان الحسن البصري يكره أن يتطوع بصيام وعليه قضاء من رمضان إلا العشر.

4. الإكثار من الصدقة

كان بعض السلف يعدّون الصدقة، حتى إذا دخلت العشر بذلوا ما أعدّوه.

ورُوي أن حكيم بن حزام رضي الله عنه وقف بعرفات ومعه مئة بدنة قد أشعرها، ومئة عبد يعتقهم لله تعالى، فلم يُرَ يوم أكثر بكاءً ودعاءً من ذلك اليوم.

ورُوي عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه اشترى نفسه من الله ست مرات، يتصدق في كل مرة بقيمة ديته كاملة.

5. العمرة في العشر

عن أبي معن قال: رأيت جابر بن زيد وأبا العالية اعتمرا في العشر.

وقال صدقة بن يسار: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليّ من أن أعتمر في العشر البواقي. فحدّثت به نافعًا فقال: نعم، عمرة فيها هدي أو صيام أحب إليه من عمرة ليس فيها هدي ولا صيام.

الطحاوي، شرح معاني الآثار (2/ 148)، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة (3/ 160)

6. الاعتكاف في العشر

وكان الحافظ ابن عساكر رحمه الله يعتكف في شهر رمضان، وفي عشر ذي الحجة.

7. تعليم الناس الخير

قال عبد الله بن أبي مليكة: كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يصلي الظهر، ثم يضع المنبر فيجلس عليه في العشر كلها، فيما بين الظهر والعصر، يعلّم الناس الحج.

الفاكهي، أخبار مكة (3/ 60)

وكان بعضهم يترك التحديث في العشر ليتفرّغ ويفرّغ الناس للعبادة:

قال الأثرم: أتينا أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- في عشر الأضحى، فقال: قال أبو عوانة: كنا نأتي سعيدًا الجريري في العشر فيقول: هذه أيام شغل، وللناس حاجات، وابن آدم إلى الملال ما هو.

سؤالات الأثرم للإمام أحمد (ص 39)

شاهد الدرس مرئيًّا

أسئلة شائعة

ما أفضل الأعمال في عشر ذي الحجة؟

كل عمل صالح فيها أحب إلى الله منه في غيرها، ومن أخصها: التكبير والذكر، وصيام يوم عرفة، والصدقة، والحج والعمرة، والأضحية.

ما صيغة التكبير في العشر؟

من الصيغ الواردة عن السلف: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد».

هل يجوز قضاء رمضان في العشر؟

نعم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بذلك بأسًا.

الخلاصة

كان السلف يستقبلون العشر بتعظيمها، وصيانتها عن اللغو، والإكثار فيها من التكبير والذكر والصيام والصدقة والعمرة وتعليم الخير. فاقتدِ بهم، واغتنم هذه الأيام قبل أن تنقضي. وانظر أيضًا: أحكام الأضحية في 50 مسألة.