
هذه جملة من الآداب الشرعية التي ينبغي للمسلم أن يراعيها إذا نزل به بلاء خاص في نفسه أو ماله أو أهله، أو نزل بعموم المسلمين أو ببلد من بلدانهم بلاءٌ أو نازلة عامة، كالأوبئة والزلازل والقحط. وقد كُتبت هذه الكلمات أيام انتشار وباء كورونا، وهي صالحة لكل بلاء.
1. أن تعلم أن البلاء بتقدير الله
فلا يجري شيء في الكون إلا بتقديره سبحانه؛ هو الذي خلقه وقدّره على الناس:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]
فدع عنك أقوال من ينسب الحوادث إلى الطبيعة وحدها، واعلم أن الله خالق كل شيء، والأسباب لا تعمل إلا بإذنه:
فإذا علم الإنسان أن المصائب بتقدير الله رضي واطمأن قلبه؛ لأنه يعلم أن تقدير الله كله خير:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]
ذكر ابن أبي الدنيا بإسناده قال: قال بعض الحكماء: إن لله عبادًا يستقبلون المصائب بالبِشر. قال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم.
2. أن تعلم أن البلاء بسبب الذنوب
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]
وتأمل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163]. فإذا كان الله قد قدّر البلاء، فلماذا قدّره؟ والجواب في الأدب الثالث.
3. أن البلاء دعوة إلى التوبة والتضرع
الله يرسل البلاء ليتوب الناس ويرجعوا عن الذنوب، فالتوبة ترفع البلاء:
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98]
والله يحب أن يرى من عباده التضرع والانكسار والذل له:
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43]
الناصر الأندلسي والقاضي منذر بن سعيد البلوطي
لما قحط الناس في زمان الخليفة الناصر الأندلسي، جاء رسول قاضيه منذر بن سعيد البلوطي يحرّكه للخروج إلى الاستسقاء، فوجده قد لبس ثوبًا خشنًا، وهو يبكي ويستغفر ويتذلل لربه، ويمرّغ وجهه في التراب ويقول: ناصيتي بيدك، لا تعذّب الرعيّة بي، لن يفوتك مني شيء! فبلغ ذلك القاضي فتهلّل وجهه، وقال: إذا خشع جبّار الأرض يرحم جبّار السماء. فاستسقوا ورُحموا.
وقُحطت الأرض مرة أخرى، فاجتمع الناس، وخرج القاضي منذر -وكان فصيحًا بليغًا- فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم سكت طويلًا حتى رفع الناس إليه أبصارهم، ثم انطلق يقرأ بصوت باكٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، يكررها ويبكي حتى بكى الناس جميعًا، ثم دعا والناس يؤمّنون، فنزل المطر وسُقي الناس.
4. أن البلاء تخويف من الله لعباده
فينبغي أن يخاف الناس ويخشعوا، حتى لا يعمّهم الله ببلاء أعظم:
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59]
وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس في زمانه: فزع وخرج مسرعًا إلى المسجد، ونودي: الصلاة جامعة، فصلى بالناس صلاة طويلة حتى قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: «حتى تجلّاني الغَشْي»، ثم خطب الناس فقال:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا».
متفق عليه: البخاري (1044)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها
فإن استكبر الناس ولم يتذكروا، أوشك الله أن يعمّهم بالعذاب، كما فعل بقوم فرعون:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 133]
لا يجوز الاستهزاء بالبلاء
فالسخرية من الآيات والنذر من صفات المكذبين:
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: 8]
5. الصبر على أقدار الله المؤلمة
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]
فالله ينزل البلاء ليتميز الطيب من الخبيث، والصادق من الكاذب، والصابر من الجازع:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خيرَ عيشنا بالصبر.
ذكره البخاري معلقًا في كتاب الرقاق
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قُطع الرأس باد الجسد. ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له.
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيق حاله ومعاشه، فقال: أيسرّك ببصرك مئة ألف؟ قال: لا. قال: فبسمعك؟ قال: لا. قال: فبلسانك؟ قال: لا. قال: فبعقلك؟ قال: لا. وذكّره نعم الله عليه، ثم قال: أرى لك مئين ألوفًا وأنت تشكو الحاجة؟!
6. الاعتبار بالبلاء وتجلّي الولاء
البلاء عبرة لكل أحد؛ فهو للمؤمن تكفير ورفعة إذا صبر، وهو للمعرض عن الله تذكير ونذير، وقد يكون عقوبة لمن حارب الله ورسوله. والمسلم يعتبر بما يرى، ولا يجزم في كل بلاء يصيب أحدًا بأنه عقوبة بعينها؛ فذلك من الغيب.
- إذا نزل البلاء بالمسلمين تجلّى الولاء لهم: بالدعاء، والمساعدة، والمواساة، والدعم في محنتهم؛ فالمؤمنون كالجسد الواحد.
- والمسلم لا يستغفر لمن مات على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: 113].
- ولا يمنعه ذلك من الإحسان الإنساني إلى غير المحاربين في محنتهم، فقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (متفق عليه).
حُرّرت عبارة هذا الأدب عند النقل؛ لتتفق مع الآية الكريمة في البر والقسط مع غير المحاربين.
شاهد الدرس مرئيًّا
أسئلة شائعة
هل كل بلاء عقوبة؟
لا؛ فقد يكون البلاء عقوبة، وقد يكون تكفيرًا للسيئات أو رفعًا للدرجات، كما يُبتلى الأنبياء والصالحون، والمسلم يحاسب نفسه ولا يجزم بحكم غيره.
ما أنفع ما يُفعل عند نزول البلاء العام؟
التوبة، والتضرع، والاستغفار، والصلاة، والصدقة، والصبر، مع الأخذ بالأسباب المشروعة للوقاية والعلاج.
الخلاصة
البلاء من تقدير الله، وسببه في الغالب الذنوب، والمقصود منه رجوع العباد إلى ربهم بالتوبة والتضرع والخوف والصبر. فإذا نزل البلاء فارجع إلى الله، واصبر واحتسب، واعتبر، وأعِن إخوانك، وكن من الذين يستقبلون أقدار الله بالرضا. وانظر أيضًا: أسباب انشراح الصدر.


