جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

العقيدة12 سبتمبر 2019
هل يصلي أحد في قبره بعد موته؟ صلاة موسى عليه السلام في قبره — إسماعيل العضامي

من الأسئلة التي تتردد كثيرًا: هل ثبت أن أحدًا يصلي في قبره بعد موته؟ وإذا ثبت، فكيف يصلي وقد انقطع عنه التكليف بالموت؟ وهل يصلي بجسده وروحه، أم بروحه فقط؟ والجواب عن ذلك يبدأ من حديث صحيح رواه أنس بن مالك رضي الله عنه.

من يصلي في قبره بعد موته

حديث صلاة موسى عليه السلام في قبره

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ».

أخرجه مسلم (2375)، وأحمد

فالحديث نصّ في أن موسى عليه السلام كان قائمًا يصلي في قبره، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. واختلف أهل العلم في حقيقة هذه الصلاة على مذهبين.

المذهب الأول: أنها صلاة حقيقية

وهو أنها صلاة حقيقية بالجسد والروح، لا بالروح فقط، وإليه ذهب جمهور المحدثين، ومنهم من يرى إمرار هذه الأخبار كما جاءت دون خوض في كيفيتها:

قال سالم بن هانئ: سألت وكيعًا عن هذا الحديث، فقال: يا خراساني، أخبارٌ رُويت، فأمِرُّوها كما نُقِلت.

وقال الشيخ بدر الدين ابن الصاحب في مؤلَّف له في حياة الأنبياء عليهم السلام:

هذا صريح في إثبات الحياة لموسى صلى الله عليه وسلم في قبره؛ فإنه وصفه بالصلاة، وإنه قائم، ومثل ذلك لا يوصف به الروح، وإنما يوصف به الجسد، وفي تخصيصه بالقبر دليل على هذا؛ فإنه لو كان من أوصاف الروح لم يحتج لتخصيصه.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي:

في هذا الحديث أن الصلاة تستدعي جسدًا حيًّا، ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها، بل يكون لها حكم آخر.

انظر: زهر الربى على المجتبى للسيوطي (3/ 215–216)

كيف يصلي وقد انقطع التكليف؟

أجاب أصحاب هذا القول بأن هذه الصلاة ليست صلاة تكليف يترتب عليها ثواب وعقاب، وإنما هي من باب التنعّم واللذة؛ فإن الدار الآخرة دار نيل الملاذ، والله يعطي عبده ما يحب. والمؤمن قد يجد في صلاته وعبادته لذة لا توازيها لذة في الدنيا، فيُكرمه الله في قبره بما كان يحبه ويتلذذ به.

الصلاة قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم

«حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».

أخرجه أحمد والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه

فإذا كانت الصلاة أحبَّ شيء إلى نفوس الأنبياء والصالحين في حياتهم، فلا يبعد أن يُنعّمهم الله بها في قبورهم بعد موتهم.

ثابت البناني ودعوته

كان التابعي الجليل ثابت البناني رحمه الله من أكثر الناس صلاة، وكان يقول:

اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَعْطَيْتَ أَحَدًا الصَّلَاةَ فِي قَبْرِهِ، فَأَعْطِنِي الصَّلَاةَ فِي قَبْرِي.

أخرجه ابن أبي شيبة، وابن سعد في الطبقات

قال الذهبي رحمه الله بعد أن ذكرها:

فيُقال: إن هذه الدعوة استُجيبت له، وإنه رُئي بعد موته يصلي في قبره، فيما قيل.

سير أعلام النبلاء (5/ 222، ط. الرسالة)

تأمل احتياط الذهبي في قوله: «فيما قيل»؛ فرؤيته يصلي في قبره خبر لم يثبت بإسناد، والثابت هو دعاؤه رحمه الله.

المذهب الثاني: أنها بمعنى الدعاء والذكر

ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالصلاة هنا معناها اللغوي، أي الدعاء والثناء والذكر:

قال أبو بكر الكلاباذي: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» أي: يدعو الله، ويثني عليه، ويذكره، وهو حيٌّ أحياه الله بعد موته كما أحيا الشهداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، فإذا كان الشهداء أحياء يُرزقون، فكيف بالأنبياء والرسل؟!

الكلاباذي، بحر الفوائد (ص 221)

الراجح

الراجح هو المذهب الأول؛ لظاهر النصوص، ولا حاجة إلى تأويلها. مع التنبيه على أن حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، لا يعلم كيفيتها إلا الله، ولا تشبه حياة الدنيا، ولا يترتب عليها شيء من أحكام الأحياء في الدنيا.

أسئلة شائعة

هل ثبت أن أحدًا يصلي في قبره؟

ثبت ذلك في حق موسى عليه السلام بحديث صحيح في صحيح مسلم، وأما غير الأنبياء فلم يثبت فيه شيء، وما يُذكر عن ثابت البناني إنما هو دعاء دعا به، ورؤى نقلها الذهبي بصيغة التمريض.

هل الصلاة في القبر صلاة تكليف؟

لا؛ فالتكليف ينقطع بالموت، وإنما هي صلاة تنعّم وتلذذ يُكرم الله بها من شاء.

ما طبيعة حياة الأنبياء في قبورهم؟

حياة برزخية حقيقية، لا تشبه حياة الدنيا، ولا يعلم كيفيتها إلا الله.

الخلاصة

حديث صلاة موسى عليه السلام في قبره ثابت في صحيح مسلم، والراجح حمله على ظاهره: أنها صلاة حقيقية على وجه التنعم لا التكليف، مع الإيمان بأن حياة البرزخ لها أحكامها الخاصة. ويبقى في دعاء ثابت البناني درس بليغ: أن من أحب الصلاة في الدنيا تمنّى أن تصحبه إلى قبره.

تصحيح: الحديث من أفراد مسلم، وليس في صحيح البخاري كما يُنسب أحيانًا.