
أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، فقال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30–31]
فإذا امتدت العين إلى الحرام واستمتعت به، أوشكت أن تُردي صاحبها في مهاوي الرذيلة والهلاك. وهذه قصص لرجال قتلتهم نظرة، نسوقها للعبرة.

النظرة سهم مسموم
النظرة سهم مسموم من سهام إبليس؛ إذا تمكنت سرى سمّها إلى القلب، فعمل في الباطن قبل أن يُرى أثره في الظاهر. وعلاجها في بدايتها قريب، فإذا تكررت تمكّن الشر وصعب علاجه. فأول الفتنة نظرة، وأول العشق من خائنة الأعين:
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ».
رواه أبو داود (2149) والترمذي (2777)
القصة الأولى: مؤذن المسجد الذي تنصّر لأجل امرأة
قال ابن القيم: «يُروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطّلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتُتن بها، فترك الأذان، ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدك. قالت: لماذا؟ قال: أتزوجك. قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال: أتنصّر. قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار، فسقط منه فمات، فلم يظفر بها، وفاته دينه».
الجواب الكافي (ص: 198)
القصة الثانية: القارئ الذي نسي القرآن
قال عبدة بن عبد الرحيم: خرجنا في سرية إلى أرض الروم، فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه، ولا أفقه، ولا أفرض، صائم النهار، قائم الليل، فمررنا بحصن، فنزل بقربه، فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن فعشقها، فقال لها: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تتنصّر يُفتح لك الباب وأنا لك. ففعل، فأُدخل الحصن. قال: فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم، ثم عدنا في سرية أخرى، فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى، فقلنا: يا فلان، ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلاتك وصيامك؟ قال: اعلموا أني نسيت القرآن كله، ما أذكر منه إلا هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
القصة الثالثة: مات وهو يردّد بيتًا في المعصية
ذكر ابن القيم: أن رجلًا كان واقفًا بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب حمّام مشهور يُقال له «حمّام منجاب»، فمرّت به جارية لها منظر جميل، فقالت: أين الطريق إلى حمّام منجاب؟ فقال: هذا حمّام منجاب. فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له البِشر والفرح، وقالت: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، فقال: الساعة آتيك بكل ما تريدين، وخرج، فخرجت وذهبت، فهام الرجل بها، وجعل يمشي في الطرق ويقول:
فبينما هو يقول ذلك إذا بجارية أجابته من طاق:
فازداد هيمانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا.
فمات على هذه الخاتمة السيئة، نعوذ بالله من سوء الحال والمآل.
القصة الرابعة: الشاب الذي مات حين سمع آية
قال منصور بن عمار: حججت، فنزلت سكة من سكك الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: «إلهي، وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي، وغرّني سترك المرخى عليّ… فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني؟ واشباباه! واشباباه!». قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، فسمعت حركة شديدة، ثم لم أسمع بعدها حسًّا، فلما كان من الغد رجعت في طريقي، فإذا بجنازة، وإذا بعجوز تقول: مرّ بابني البارحة رجل وهو قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله، فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتًا.
كتاب التوابين لابن قدامة
وهذا شاب أحسن الختام؛ ندم على معصيته، وخاف عقاب ربه، فمات وهو يرجو رحمته.
القصة الخامسة: عاقبة التعلّق بالصور
وذكر ابن القيم أن رجلًا تعلّق بشخص، فاشتد كلفه به حتى لزم الفراش، وتمنّع ذلك الشخص عليه، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعده أن يعوده، ثم رجع في الطريق وقال: لا أدخل مدخل الريبة، ولا أعرّض نفسي لمواقع التهم. فلما سمع البائس ذلك اشتد مرضه، وبدت عليه علامات الموت، فجعل يقول كلامًا يفضّل فيه رضا محبوبه على رحمة الخالق جل وعلا -والعياذ بالله-، فقيل له: يا فلان، اتق الله! قال: قد كان. فما جاوز الناقل باب داره حتى سمع صيحة الموت.
الجواب الكافي (ص: 199)
فعياذًا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة؛ فإن العشق إذا تمكّن من القلب قد يصل بصاحبه إلى الكفر.
علاج داء النظر
- غض البصر من أول نظرة، فلا تُتبع النظرة النظرة.
- استحضار نظر الله إليك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
- البعد عن مواطن الفتنة والشاشات والصور المحرمة.
- الزواج لمن استطاع؛ فإنه «أغضّ للبصر وأحصن للفرج» (متفق عليه)، والصوم لمن لم يستطع.
- ملء القلب بمحبة الله والانشغال بالطاعة؛ فإن القلب لا يخلو من محبوب.
- الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري…» (رواه أبو داود والترمذي).
اقرأ أيضًا: هؤلاء لم تفتنهم امرأة: قصص العفة


