جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

هؤلاء لم تفتنهم امرأة: قصص العفة من يوسف عليه السلام إلى الربيع بن خثيم وعبيد بن عمير — إسماعيل العضامي

كثير من الناس يلهث وراء الشهوات، وتفتنه المائلات المميلات، لكن قلّة منهم أغلقوا أبواب الفتنة بعد أن طرقتها بقوة، ولاذوا بالحي القيوم، وخافوا مقامهم بين يدي الجبار، فخرجوا من الفتنة كالذهب الخالص. وهذه قصص لهؤلاء القدوة، وقد وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بظل العرش: «وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (متفق عليه).

هؤلاء لم تفتنهم امرأة

يوسف عليه السلام: معاذ الله

الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام؛ عراقة في الحشمة والأدب، والصيانة والديانة، أوتي شطر الحسن، حتى قطّعت النسوة أيديهن ذهولًا من جماله.

لما عرضت عليه امرأة العزيز نفسها، ونزلت من عزّ الملك والسلطان، وغلّقت الأبواب، وتزينت، وهدّدت، وألحّت، وهو شاب في ريعان شبابه، غريب عن أهله، مملوك في بيتها، أعرض عن ذلك كله، وقال:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23]

ثم اختار السجن على المعصية: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33].

جريج العابد: براءة من السماء

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان جريج يتعبّد في صومعته، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، أنا أمك فكلّمني، فقال: يا رب، أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، ثم أتته مرة ثانية وثالثة كذلك، فقالت: اللهم إن هذا جريج، وهو ابني، وإني كلّمته فأبى أن يكلّمني، اللهم فلا تُمته حتى تريه المومسات. ولو دعت عليه أن يُفتن لفُتن. وكان راعٍ يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي، فولدت غلامًا، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير، فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم فهدموا ديره، فنزل إليهم فقالوا: سل هذه، فتبسّم، ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن. فقالوا: يا جريج، نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان.

رواه مسلم (2550) بنحوه

عبيد بن عمير: أسئلة الآخرة

ذكر ابن الجوزي وغيره أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة، فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه لا يُفتن به؟ قال: نعم، قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير. قالت: فائذن لي فيه فلأفتننّه، قال: قد أذنت لك. فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله، استتري. فقالت: إني قد فُتنت بك! قال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك.

قال: أخبريني: لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرّك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو دخلت قبرك وأُجلست للمساءلة؟ قالت: اللهم لا. قال: فلو أن الناس أُعطوا كتبهم، ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك؟ قالت: اللهم لا. قال: فلو أردت الممر على الصراط، ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين؟ قالت: اللهم لا. قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك، فلا تدرين أيخفّ ميزانك أم يثقل؟ قالت: اللهم لا. قال: فلو وقفتِ بين يدي الله للمساءلة؟ قالت: اللهم لا. قال: اتقي الله، فقد أنعم عليك وأحسن إليك.

فرجعت إلى زوجها، فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطّال ونحن بطّالون! فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير! أفسد عليّ امرأتي؛ كانت في كل ليلة عروسًا فصيّرها راهبة.

روضة المحبين لابن القيم

الربيع بن خثيم: كيف بك لو نزلت الحمّى؟

عن سعدان قال: أمر قومٌ امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرّضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: «كيف بك لو نزلت الحمّى بجسمك فغيّرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟». فصرخت صرخة، فسقطت مغشيًّا عليها، فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادتها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.

مصارع العشاق (1/ 225)

القصّاب التائب: السحابة التي مالت معه

رُوي عن بكر بن عبد الله المزني: أن قصّابًا أُولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها في حاجة إلى قرية أخرى، فتبعها وراودها عن نفسها، فقالت له: لا تفعل؛ لأنا أشد حبًّا لك منك لي، ولكني أخاف الله. قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخافه؟! فرجع تائبًا، فأصابه العطش حتى كاد يهلك، فإذا برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل، فقال: ما لك؟ قال: العطش. قال: تعال حتى ندعو الله أن تظلّنا سحابة حتى ندخل القرية. قال: ما لي من عمل صالح، فادعُ أنت. قال: أنا أدعو وأمِّن أنت على دعائي. فدعا الرسول وأمّن هو، فأظلّتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصّاب إلى مكانه، فمالت السحابة معه! فقال له الرسول: زعمت أنه ليس لك عمل صالح، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمّنت، فأظلّتنا سحابة ثم تبعتك! لتخبرني بأمرك. فأخبره، فقال: «إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه».

إحياء علوم الدين (3/ 114)

الشاب الكوفي العابد: رسالة إلى المفتونة

كان بالكوفة شاب متعبّد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشُغفت به، فوقفت له على الطريق مرة بعد مرة تريد أن تكلّمه، فقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعًا. فقالت: إن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك! فمضى إلى منزله، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فكتب إليها كتابًا، فألقاه إليها، وكان فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، اعلمي أيتها المرأة أن الله عز وجل إذا عُصي حلم، فإذا عاد العبد إلى المعصية مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا يطيق غضبه؟… وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف بإصلاح غيري؟ وإن كان ما ذكرتِ حقًّا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة، والأوجاع المرمضة، ذلك الله رب العالمين، فاقصديه بصدق المسألة؛ فإني مشغول عنك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ۝ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فأين المهرب من هذه الآية؟».

ثم جاءت بعد أيام فقالت: يا فتى، لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدًا إلا غدًا بين يدي الله تعالى، ثم بكت وقالت: امنن عليّ بموعظة أحملها عنك، فقال: «أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأذكّرك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾».

إحياء علوم الدين (3/ 114)

عبد الرحمن الداخل: الهمة أولى

لما فرّ عبد الرحمن الداخل من العباسيين متوجهًا إلى الأندلس، أُهديت إليه جارية جميلة، فنظر إليها وقال: «إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمّتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي، ولا حاجة لي بها الآن»، وردّها على صاحبها.

دروس من هذه القصص

  • مراقبة الله هي الحصن الأول من الفتنة: «معاذ الله»، «إني أخاف الله».
  • تذكّر الموت والقبر والحساب يطفئ نار الشهوة، كما صنع عبيد بن عمير والربيع بن خثيم.
  • البعد عن مواطن التهمة والخلوة، كما صنع الشاب الكوفي.
  • العفة عزّ وكرامة، وتركُ المعصية لله يُعوِّض الله صاحبه خيرًا منها.
  • علوّ الهمة يصرف عن سفاسف الأمور، كما صنع عبد الرحمن الداخل.

بعض هذه القصص من أخبار السلف التي نقلها أهل الأدب والرقائق، والعبرة بما فيها من المعاني التي دلت عليها النصوص.

اقرأ أيضًا: نظرات قاتلة: قصص في عواقب النظر الحرام — الدعاء على الحاسد أم العفو؟ وأي صبري يوسف أعظم؟