جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

الآداب والرقائق10 أكتوبر 2019
الحسد على ألسنة العلماء والأدباء: تعريفه وأقوال الحكماء وأجمل ما قيل فيه من شعر — إسماعيل العضامي

الحسد داء قديم، هو أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض. وقد أكثر العلماء والحكماء والأدباء من الكلام فيه، بين تعريف وتحذير، ووصف لحال الحاسد، ونصيحة للمحسود. وهذه مختارات من أقوالهم وأشعارهم.

الحسد على ألسنة العلماء والأدباء

تعريف الحسد عند العلماء

  • قال ابن الأثير: «الحسد: أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه» (النهاية في غريب الحديث 1/ 383).
  • وقال ابن حجر: «الحسد: تمني زوال النعمة عن مستحق لها» (فتح الباري 10/ 481).
  • وقال النووي: «الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا» (رياض الصالحين ص: 466).
  • وقال ابن القيم: «أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمنّي زوالها، فالحاسد عدو النعم، وهذا الشر هو من نفسه وطبعها، وليس هو شيئًا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها» (التفسير القيم ص: 583).

الحاسد معترض على قضاء الله

فالحاسد في حقيقة أمره معترض على قسمة الله وقضائه، ولذلك قال الله تعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

ويُروى في ذلك قول: «الحاسد عدو لنعمتي، متسخّط لقضائي، غير راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي»، وهو كلام صحيح المعنى، لكنه لا يثبت حديثًا قدسيًّا.

ولله درّ القائل:

سلِّمْ لربك يا حسودُ ولا تكنْفيما يريد اللهُ بالمعترضِ
فالرزقُ مقسومٌ وما مِن موسرٍأو معسرٍ إلا بأمرٍ قد مضى
وإذا أفاضَ اللهُ نعمتَه علىعبدٍ فأوِّلْ ما تشاءُ وفوِّضِ
واعلمْ بأنَّ اللهَ عدلٌ حكمُهسيّانِ إنْ غضبَ الحسودُ وإنْ رضي

وقال منصور الفقيه:

ألا قلْ لمن ظلَّ لي حاسدًاأتدري على مَن أسأتَ الأدبْ؟
أسأتَ على اللهِ في حكمِهلأنك لم ترضَ لي ما وهبْ

أقوال الصحابة والسلف في الحسد

  • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما تمّ صاحب نعمة إلا وله عليها حُسّاد».
  • وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ وقت سرورك».
  • وقال معاوية رضي الله عنه: «ليس في خصال الشر أعدل من الحسد؛ يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود».
  • وقال عبد الله بن شداد لابنه: «يا بني، إن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بشاهد؛ فإنك إن أمضيتها حيالها رجع العيب على من قالها».
  • وقال وهب بن منبه: «اتقوا الحسد؛ فإنه أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض».
  • وقال سليمان التيمي: «الحسد يُضعف اليقين، ويُسهر العين، ويُكثر الهم».
  • وقال سفيان الثوري: «من شأن الحسود عدم الفهم، فمن أراد الفهم فلا يحسد أحدًا».
  • وقال يحيى بن معاذ: «المحسود على ما عنده من النعمة خير ممن ليس عنده نعمة يُحسد عليها؛ فليشكر الله على نعمته، ويعذر الحسود».
  • وقال ميمون بن مهران: «إن أردت أن تسلم من شر من يحسدك فعمِّ عليه أمورك»؛ أي: أخفِها عنه.
  • وقال الأحنف بن قيس: «لا راحة لحسود، ولا سيادة لسيئ الخلق».
  • وقال ابن السماك: «إن الله أنزل سورة الفلق، وجعلها عوذة لخلقه من صنوف الشر، فلما انتهى إلى الإعاذة من الحسد جعله خاتمًا؛ إذ لم يكن بعده في الشر نهاية».
  • وقال ابن المقفع: «الحرص والحسد دعامتا الذنوب؛ فالحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى».

أقوال الحكماء والأدباء

  • قال ابن المعتز: «الحسد داء الجسد».
  • وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك! قال: «تركت الحسد فبقيت».
  • وقيل في منثور الحكم: «عقوبة الحاسد من نفسه».
  • وقال بعض الأدباء: «ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحسود: نَفَسٌ دائم، وهمٌّ لازم، وقلب هائم».

وصف الجاحظ للحاسد

قال الجاحظ: «هو الكلب الكلِب، والنمر الحرِب، والسم القشِب، والفحل القطِم، والسيل العرِم؛ إن مَلَكَ قتل وسبى، وإن مُلِك عصى وبغى، حياتك موته وثبوره، وموتك عرسه وسروره، يصدّق عليك كل شاهد زور، ويكذّب فيك كل عدل مرضيّ، لا يحب من الناس إلا من يبغضك، ولا يبغض إلا من يحبك… إنك غير سالم منه وإن رفعت القذى عن لحيته، وسوّيت عليه ثوبه فوق منكبه، ولبست ثوب الاستكانة عند رؤيته… أحسن ما تكون عنده حالًا: أقلّ ما تكون مالًا، وأكثر ما تكون عيالًا، وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدًا، وأبعد ما تكون من الناس حمدًا».

رسالة الحاسد والمحسود للجاحظ (ص: 26–29)

ويُنقل عنه أيضًا: «لو ملكتُ عقوبة الحاسد لم أعاقبه بأكثر مما عاقبه الله به: بإلزام الهموم قلبه، وتسليطها عليه».

من أجمل ما قيل في الحسد من الشعر

الإمام الشافعي

وداريتُ كلَّ الناسِ لكنَّ حاسديمداراتُه عزَّتْ وعزَّ منالُها
وكيف يداري المرءُ حاسدَ نعمةٍإذا كان لا يُرضيه إلا زوالُها؟

أبو تمام

وإذا أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍطُويتْ أتاحَ لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْما كان يُعرفُ طيبُ عَرْفِ العودِ
لولا التخوُّفُ للعواقبِ لم يزلْللحاسدِ النعمى على المحسودِ

معن بن زائدة

إني حُسدتُ فزادَ اللهُ في حسديلا عاش مَن عاش يومًا غيرَ محسودِ
ما يُحسدُ المرءُ إلا مِن فضائلِهبالعلمِ والظَّرفِ أو بالبأسِ والجودِ

أبو الحسن التهامي

إني لأرحمُ حاسديَّ لفرطِ ماضمَّتْ صدورُهمُ من الأوغارِ
نظروا صنيعَ اللهِ بي فعيونُهمفي جنةٍ وقلوبُهم في نارِ

ابن المعتز

اصبرْ على كيدِ الحسودِ فإنَّ صبرَك قاتلُهْ
فالنارُ تأكلُ بعضَهاإنْ لم تجدْ ما تأكلُهْ

أبيات أخرى

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَهفالناسُ أعداءٌ له وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قلنَ لوجهِهاحسدًا وبغيًا: إنه لدميمُ
أعطيتُ كلَّ الناسِ من نفسي الرضاإلا الحسودَ فإنه أعياني
ما إنَّ لي ذنبًا إليه علمتُهإلا تظاهرَ نعمةِ الرحمنِ
وأبى فما يُرضيه إلا ذِلّتيوذهابُ أموالي وقطعُ لساني

كيف يتّقي المحسود شرّ الحاسد؟

  • الاستعاذة بالله من شر الحاسد، بقراءة المعوذتين وأذكار الصباح والمساء.
  • التوكل على الله، فلن يضرّه إلا ما كتب الله عليه.
  • كتمان النعم عمن يُخشى حسده، كما قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5].
  • الصبر على الحاسد والإحسان إليه؛ فإن ذلك يطفئ نار حسده.
  • عدم الانشغال به والاشتغال بالطاعة وشكر النعمة.

الخلاصة

  • الحسد: تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهو بغض لنعمة الله على عبده.
  • الحاسد معترض على قسمة الله، وأول من عاقبه الحسد نفسُه.
  • أجمع الحكماء والشعراء على أن الحسد داء يأكل صاحبه قبل أن يضر المحسود.
  • يتقي المحسود شره بالاستعاذة والتوكل والكتمان والصبر والإحسان.

اقرأ أيضًا: لماذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة حسدًا؟ — الدعاء على الحاسد أم العفو عنه؟