
كثير من الناس يضيّع عمره أسيرًا لخوف من أمر لم يقع، وقد لا يقع أبدًا. وهذه قصة متداولة تُروى عن رجل أضاع سبعًا وثلاثين سنة من حياته هاربًا من حكم لم يصدر عليه، نسوقها للعبرة، ثم نعرض ما في الوحي من علاج للخوف من المستقبل.

القصة كما تُروى
يُروى أنه في عام 1964 هجم ثلاثة لصوص على منزل رجل يُدعى «كارل لوك»، فتنبّه لوجودهم فقتلهم جميعًا ببندقيته. وكانت القضية في البداية لصالحه؛ لأنه كان في موقف دفاع عن النفس، لكن اتضح لاحقًا أن اللصوص الثلاثة كانوا إخوة، وكانوا على خصام دائم معه، فاتهمه الادعاء العام بأنه دبّر الجريمة: دعاهم إلى منزله ثم قتلهم بذريعة السرقة.
الاختفاء في القبو
حين أدرك أن الأمر ينقلب ضده اختفى نهائيًّا عن الأنظار، وفشلت كل محاولات العثور عليه. فأين اختفى؟ في المنزل نفسه! في قبو لا تتجاوز مساحته مترًا في مترين، فقد اتفق مع زوجته على الاختفاء خوفًا من الإعدام، واتفقا على كتمان السرّ حتى عن أطفالهما الصغار خشية أن يتسرب إلى الجيران.
ثم ماتت الزوجة بعد أشهر في حادث مفاجئ، وكبر الأولاد معتقدين أن أباهم مات منذ زمن بعيد. وعاش الرجل في القبر الذي اختاره لنفسه سبعة وثلاثين عامًا، وسكنت المنزل بعده ثلاث عائلات لم تشعر أيٌّ منها بوجوده؛ إذ كان يخرج خلسة ليأكل ويشرب، ثم يعود بهدوء ويغلق باب القبو.
المفاجأة
أُصيب الرجل بالربو من الغبار وضيق المكان، وصار يسعل باستمرار، فسمع ربّ البيت الجديد ذات ليلة سعالًا مكتومًا من تحت الأرض، فاستدعى الشرطة، فتتبعوا الصوت حتى عثروا عليه، فأخبرهم بقصته. وهنا كانت المفاجأة: قال له الضابط: ألا تعلم ما حدث بعد اختفائك؟ لقد اعترفت والدة اللصوص بأن أولادها خطّطوا لسرقة منزلك، فأصدر القاضي حكمًا ببراءتك، لكن الجميع ظنّ أنك مت! لقد أضعت سبعًا وثلاثين سنة من عمرك هباءً منثورًا.
هذه القصة متداولة في الصحف والمواقع، ولا نجزم بتفاصيلها، وإنما نسوقها لما فيها من العبرة.
العبرة من القصة
- لا تضيّع حياتك بسبب خوف من أمر لم يقع.
- الهروب ليس حلًّا؛ فعندما تكون على حق فواجه، ولا تخشَ إلا الله.
- الخوف من المستقبل يسيطر على كثير من الناس، وأكثره من ضعف الإيمان بالله وقلة التوكل عليه.
علاج الخوف من المستقبل في الوحي
الإيمان بأن المقادير بيد الله
قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
رواه الترمذي (2516) وقال: حسن صحيح
التوكل على الله
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]
الاستعاذة من الهمّ والحزن والجبن
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
رواه البخاري (6369)
والهمّ: ما يكون من الخوف على المستقبل، والحزن: ما يكون على الماضي، فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منهما جميعًا.
العيش في يومك
والمؤمن يعمل في يومه بما يرضي ربه، ويأخذ بالأسباب، ولا يحمل همّ الغد قبل مجيئه؛ فإن رزقه وأجله مكتوبان، وما قُدّر له سيأتيه.
الخلاصة
- الخوف المفرط من المستقبل قد يضيّع العمر في أمر لا يقع.
- المواجهة بالحق والأخذ بالأسباب خير من الهروب.
- علاج الخوف: الإيمان بالقدر، والتوكل على الله، والاستعاذة من الهمّ والحزن والجبن.
اقرأ أيضًا: حياة المؤمن بين الخوف والرجاء


