
يتردد على ألسنة كثير من الناس أن «المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر»، فيتكلم بعضهم في دين الله بغير علم، ثم يحتج بهذا الحديث! فمن المجتهد الذي يؤجر وإن أخطأ؟ ومن الذي يأثم بخطئه؟

حديث أجر المجتهد
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
رواه البخاري (7352) ومسلم (1716)
ورد هذا الحديث في شأن القاضي، والمفتي ملحق به؛ بجامع أن كلًّا منهما مأمور بأن يصدر عن حكم شرعي، ولذا يُعذر كلاهما في الخطأ بشروطه.
المجتهد المعذور المأجور
المفتي إن كان من أهل العلم، ممن اجتمعت فيه شرائط الفتيا، وبذل وسعه للوصول إلى الحق، ثم أفتى بما غلب على ظنه أنه الحق بمقتضى الأدلة، فأخطأ، فلا إثم عليه في خطئه؛ لدخوله في القاعدة العظيمة التي دلّ عليها قوله تعالى:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]
ولدخوله في الحديث السابق. وأجر اجتهاده باقٍ محفوظ لا يبطل بخطئه؛ لأن الشرع أمره أن يفتي، وقد فعل ما أُمر به، فاستحق الأجر على عمله.
فشروط العذر والأجر ثلاثة:
- أن يكون أهلًا للاجتهاد في المسألة، عالمًا بأدلتها.
- أن يبذل وسعه في طلب الحق، ولا يقصّر في النظر.
- أن يكون قصده الحق، لا الهوى ولا موافقة الناس.
من أفتى بغير علم أو قصّر في الاجتهاد
أما إذا أفتى من ليس أهلًا للفتيا فأخطأ، أو كان أهلًا ولم يبذل جهده فأخطأ، فإنه لا يكون معذورًا، بل يكون آثمًا؛ لأنه أضلّ عن سبيل الله، وقد قال تعالى:
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ».
رواه أبو داود (3573) وابن ماجه (2315) من حديث بريدة رضي الله عنه
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
رواه البخاري (100) ومسلم (2673)
أقوال أهل العلم
قال ابن المنذر رحمه الله: «وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالمًا فلا».
وقال محيي السنة البغوي رحمه الله: «وقوله: (وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) لم يُرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يألُ جهده، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، فأما من لم يكن محلًّا للاجتهاد فهو متكلّف، لا يُعذر بالخطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظم الوزر».
شرح السنة للبغوي (10/ 117–118)
الخلاصة
- المجتهد المأجور على خطئه هو العالم الأهل للاجتهاد، الذي بذل وسعه وقصد الحق.
- أجره على اجتهاده لا على خطئه، والإثم عنه موضوع.
- من أفتى بغير علم، أو قصّر في البحث، فهو آثم وإن وافق الصواب.
- لا يجوز للعامي أن يحتج بحديث أجر المجتهد ليتكلم في دين الله بغير علم.
اقرأ أيضًا: تطور علم أصول الفقه


