
في قصة يوسف عليه السلام دروس عظيمة في التعامل مع الحسد والظلم والفتنة. وفي هذا المقال مسألتان: أيهما أفضل: الدعاء على الحاسد أم العفو عنه؟ وأيّ الصبرين أعظم: صبر يوسف على كيد إخوته، أم صبره عن فتنة امرأة العزيز؟
المسألة الأولى: الدعاء على الحاسد أم الصفح عنه؟
لو أن إنسانًا حسدك على نعمة حتى ذهبت منك، وتيقّنت أن زوالها كان بسبب حسده لك، فأيهما أفضل: أن تدعو عليه، أم تصفح عنه وتعفو؟

الجواب
لو دعوت عليه فلا إثم عليك؛ لأنه ظلمك حين حسدك، فأنت مظلوم، ويجوز للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر مظلمته، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]. لكن الصفح عنه والإعراض عنه أفضل.
هدي القرآن في معاملة الحاسد
اختار القرآن أكمل الأخلاق وأصفاها، وأرفعها درجة، وأعظمها منزلة، فاختار الصفح والعفو، فقال تعالى في حسد أهل الكتاب للمؤمنين:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
فأمرهم أن يعفوا ويصفحوا مع شدة حسد القوم لهم.
وكذلك يوسف عليه السلام عفا عن إخوته وصفح عنهم، مع ظهور شدة حسدهم وظلمهم له، فقال لهم:
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]
فيُستحب لمن حُسد وظُلم أن يصبر على أذى حاسده حتى يفرّج الله عنه؛ فهذا أعظم في الأجر والثواب، كما قال يوسف عليه السلام:
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]
وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين كثر حسد المشركين وأذاهم له ولأصحابه:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]
المسألة الثانية: أيّ صبري يوسف عليه السلام أعظم؟
ابتُلي يوسف عليه السلام بنوعين من البلاء: كيد إخوته حين حسدوه وهمّوا بقتله وألقوه في الجب وبيع رقيقًا، وفتنة امرأة العزيز حين راودته عن نفسه ثم سُجن ظلمًا. فأيّ الصبرين أعظم؟

الجواب
- الصبر الأول (على كيد إخوته) صبر اضطراري، كسائر أنواع الصبر على المصائب التي لا اختيار للعبد فيها.
- الصبر الثاني (عن امرأة العزيز) صبر اختياري، اقترنت به التقوى والورع والخوف من الله تعالى.
فالثاني أعظم أجرًا وثوابًا وجزاءً عند الله تعالى، وفي كلٍّ خير.
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
«وقد ابتُلي يوسف بحسد إخوة له حيث قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فحسدوهما على تفضيل الأب لهما… ثم إنهم ظلموه بتكلّمهم في قتله، وإلقائه في الجب، وبيعه رقيقًا لمن ذهب به إلى بلاد الكفر، فصار مملوكًا لقوم كفار.
ثم إن يوسف ابتُلي بعد أن ظُلم بمن يدعوه إلى الفاحشة ويراوده عليها، ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك، فاستعصم، واختار السجن على الفاحشة، وآثر عذاب الدنيا على سخط الله…
فأولئك أخرجوه من انطلاق الحرية إلى رقّ العبودية الباطلة بغير اختياره، وهذه ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوسًا مسجونًا باختياره، فكانت هذه أعظم في محنته، وكان صبره هنا اختياريًّا اقترن به التقوى، بخلاف صبره على ظلمهم؛ فإن ذلك كان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سُلُوّ البهائم. والصبر الثاني أفضل الصبرين، ولهذا قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾».
أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 20)
الخلاصة
- يجوز للمظلوم أن يدعو على حاسده بقدر مظلمته، والعفو والصفح أفضل وأعظم أجرًا.
- اختار القرآن العفو عن الحاسدين، وطبّقه يوسف عليه السلام مع إخوته.
- صبر يوسف عن الفاحشة صبر اختياري مقرون بالتقوى، فهو أعظم من صبره على ظلم إخوته الذي كان صبرًا على مصيبة.
- الصبر عن المعصية مع القدرة عليها من أعلى مراتب الصبر.
اقرأ أيضًا: لماذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم الغبطة حسدًا؟ — قواعد في الصبر على أذى الناس


