
يقسم العلماء الإيمان من جهة ما يجب على العبد معرفته إلى قسمين: إيمان مجمل يجب على كل مكلف ولا يسع مسلمًا جهله، وإيمان مفصل يتفاوت الناس في تحصيله بحسب قدرتهم ومنازلهم. ومعرفة الفرق بينهما تبيّن للمسلم ما يجب عليه عينًا، وما هو فرض كفاية، ومتى يُعذر الإنسان بجهله.
أولًا: الإيمان المجمل
الإيمان المجمل هو القدر الذي يمكن لكل أحد أن يعلمه ويعرفه، وهو الذي فرضه الله على كل مكلف: الإيمان بأركان الإيمان الستة إجمالًا، والإقرار بأركان الإسلام، ومعرفة ما ينقض الإيمان. وهو المذكور في حديث جبريل عليه السلام:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل عليه السلام أنه قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»… قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
رواه مسلم (8)
وهو كذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يبدأ به في دعوته:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».
رواه البخاري (1458) ومسلم (19)
حكم تعلم الإيمان المجمل
تعلم الإيمان المجمل فرض عين على كل مسلم مكلف، لا يُعذر بتركه من قدر عليه؛ فمن أمكنه أن يعلم وجوب الصلاة مثلًا فأعرض ولم يبالِ، لم يُعذر بجهله. ويجب على العلماء والدعاة تعليمه للناس، وعلى رب الأسرة أن يعلّمه أهله وولده، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].
أصناف الناس في الإيمان المجمل
الناس في العلم بالإيمان المجمل أربعة أصناف:
الصنف الأول: من تعلمه
فهذا أسقط عن نفسه فرض العين من علم العقيدة، ويبقى عليه واجب آخر: أن يعلّمه من يليه ممن يجهله، كزوجه وولده، ثم من يقدر على تعليمه من غيرهم.
الصنف الثاني: من عجز عن تعلمه
كمن نشأ في بادية بعيدة عن العلم، أو كان حديث عهد بإسلام؛ فهذا يُعذر بجهله فيما أخطأ فيه حتى يُعلَّم وتقوم عليه الحجة، ويدل على ذلك:
ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن قدامة بن مظعون شرب الخمر بالبحرين متأولًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93]، فقال له ابن عباس: إنما أنزلها الله عذرًا لمن شربها من الماضين قبل أن تحرم، وأنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] حجة على الباقين.
رواه النسائي في السنن الكبرى (5270)، وبوّب عليه: إقامة الحد على من شرب الخمر على التأويل
فلم يُكفَّر قدامة لتأوله، وإنما بُيّن له الحق.
الصنف الثالث: من فرّط في تعلمه مع قدرته
وهو من عنده أهلية التعلم، ومثله لا يسعه جهل ذلك، فأعرض عن التعلم مطلقًا، ولم يحترز من الوقوع في نواقض الإيمان؛ فهذا آثم، ولا يُعذر بجهله لتفريطه في تعلم ما يسعه تعلمه.
الصنف الرابع: العامي الذي لم يتعلم التفاصيل
كالفلاح البسيط الذي يعيش بين المسلمين، ولم يجلس إلى عالم ولا حضر دروس علم؛ فهذا يلزمه ثلاثة أمور:
- الإيمان المجمل بأركان الإيمان والإسلام.
- اجتناب نواقض الإيمان.
- ألا يعارض شيئًا من الإيمان المفصل إذا عرضه عليه عالم أو طالب علم، فلا ينكره ولا يجادل فيه ولا يجحده؛ فإن فعل ذلك قدح في إيمانه المجمل.
ثانيًا: الإيمان المفصل
الإيمان المفصل هو معرفة مسائل الإيمان بأدلتها التفصيلية، ومعرفة شبهات المخالفين والرد عليها، ومواضع الخلاف. ومن أمثلته: معرفة أسماء الله وصفاته بالتفصيل وأدلة كل منها، ومعرفة الأحكام الشرعية تفصيلًا؛ فإن الإيمان شعب، وكل عبادة من فرض أو نفل شعبة من شعبه.
حكم تعلم الإيمان المفصل
هو فرض كفاية في الجملة، ويكون فرض عين على من تصدى لتعليم الناس وفتواهم وكان أهلًا لذلك.
ومن عجز عن الإيمان المفصل سقط عنه ما عجز عنه، لكن لا يجوز له أن يعادي أو يلوم من قام به من العلماء، بل عليه أن يؤيدهم ويتعلم منهم ما استطاع، ويفرح بقيامهم بالدفاع عن الدين والرد على الفرق الضالة، وأن يؤمن بالكتاب كله ويسلّم له، ولا يأخذ بعضه ويترك بعضه.
من خالف في الإيمان المجمل؟
- الخوارج أوجبوا معرفة الإيمان تفصيلًا، وجعلوه شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال كله.
- المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة جعلوا أول واجب على المكلف النظر والاستدلال لا الإيمان والشهادتين؛ فقرر ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي، وتبعه الباقلاني الأشعري فقال في «الإنصاف»: إن أول ما فرض الله على جميع العباد النظر في آياته… والثاني من فرائض الله: الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله.
والصواب الذي دلت عليه النصوص أن أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهو ما دعت إليه الرسل أولًا كما في حديث معاذ؛ ووجود الله أمر فطري أقرّ به حتى المشركون المكذبون للرسل، ولا جدال في أن القرآن حثّ على النظر والتفكر، لكن الكلام في كونه أول واجب وطريقًا وحيدًا إلى الإيمان.
الخلاصة
| وجه المقارنة | الإيمان المجمل | الإيمان المفصل |
|---|---|---|
| تعريفه | الإيمان بالأركان إجمالًا ومعرفة النواقض | معرفة مسائل الإيمان بأدلتها التفصيلية |
| حكمه | فرض عين على كل مكلف | فرض كفاية، ويتعين على المتصدرين للتعليم |
| العذر بالجهل | يُعذر العاجز، ولا يُعذر المفرّط القادر | يسقط عن العاجز عنه |
| الواجب على العاجز | الإيمان المجمل وترك النواقض | التسليم وعدم معارضة العلماء |
أسئلة شائعة
ما أول واجب على المكلف؟
أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لا النظر والاستدلال كما يقول المتكلمون.
هل يُعذر المسلم بالجهل في العقيدة؟
يُعذر من لم يتمكن من التعلم كحديث العهد بالإسلام ومن نشأ في بادية بعيدة، حتى تقوم عليه الحجة، ولا يُعذر المفرّط القادر على التعلم.
ما الذي يجب على العامي في باب العقيدة؟
الإيمان المجمل بأركان الإيمان والإسلام، واجتناب نواقض الإيمان، والتسليم لما يبينه العلماء من تفاصيل الاعتقاد وعدم معارضته.
وانظر: مصادر العقيدة عند أهل السنة والجماعة.


