
الرياح آية من آيات الله في الكون، تدل على وجوده وكمال قدرته وعظمته، يرسلها رحمةً تارة، وعذابًا تارة أخرى. وللمسلم معها آداب وأحكام جاءت بها السنة: ماذا يقول إذا هبّت؟ وهل يجوز سبّها؟ وهل تُترك الجمعة والجماعة لأجلها؟ وهل يُجمع بين الصلاتين؟ وما حكم ما أتلفته من الزروع والأمانات؟ وإليك ذلك في عشرة أحكام فقهية.
الرياح آية من آيات الله
قال تعالى:
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: 5]
والله سبحانه يرسل الرياح لتلقيح الأزهار والثمار وغيرها: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22]، ويرسلها فتسوق السحاب إلى البلد الميت فينزل منه المطر الذي به حياة الناس:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 57]
وقد يسخّرها الله لمن شاء من خلقه، كما سخّرها لسليمان عليه السلام: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12]، وسخّرها لنبينا صلى الله عليه وسلم:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
متفق عليه
والصَّبا: الريح التي تهب من مشرق الشمس، وقد نُصر بها صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، إذ أرسلها الله على الأحزاب باردة في ليلة شاتية، فقلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، فكانت سبب رجوعهم وانهزامهم. والدَّبور: الريح التي تهب من مغرب الشمس، وبها كان هلاك قوم عاد.
وقد يرسلها الله عقوبةً وعذابًا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: 41]، ويخوّف بها عباده: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17].

1. الدعاء عند هبوب الريح
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».
رواه مسلم
2. الإشفاق والخوف عند اشتدادها
عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفتُ في وجهك الكراهية! فقال: «يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾».
متفق عليه
فكان صلى الله عليه وسلم إذا تخيّلت السماء تغيّر لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرّي عنه. فالمؤمن لا يأمن مكر الله، ويُقبل عند الآيات على الدعاء والاستغفار.
3. النهي عن سبّ الريح والتضجر منها
عن أُبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».
رواه النسائي والترمذي بسند صحيح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا».
رواه أبو داود وابن ماجه
فالريح لا تجري بنفسها، ولا تُهلك شيئًا بنفسها، وإنما هي مسخّرة بأمر الله تعالى، فمن سبّها كان كمن سبّ القدر، وعاد سبّه على خالقها ومدبّرها.
4. تجنّب الخروج في الريح الشديدة
إذا كانت الريح شديدة يُخشى منها الضرر أو الهلاك، حرم على الإنسان أن يعرّض نفسه لها بالخروج أو السفر أو العمل؛ ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم تبوك غازيًا قال لأصحابه:
«سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ»، فهبّت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلَي طيّئ.
رواه مسلم
5. ترك الجمعة والجماعة في المسجد لأجل الريح الشديدة
يجوز ترك الجمعة والجماعة في المسجد لأجل الريح الشديدة التي يشق معها الخروج؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن في الليلة الباردة ذات الريح أو المطر أن يقول: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» متفق عليه.
6. الجمع بين الصلاتين بسبب الريح الشديدة
الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، جائز للحاجة إذا كانت الريح شديدة يشق معها الذهاب إلى المسجد. أما إذا لم يكن محتاجًا إلى الجمع، ولا حرج عليه، فلا يجوز له الجمع، بل يجب أن يصلي كل صلاة في وقتها؛ لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
7. هل تُشرع صلاة الكسوف للريح الشديدة؟
اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال:
- الحنفية: تُستحب الصلاة في كل فزع؛ كالريح الشديدة، والزلزلة، والظلمة، والمطر الدائم؛ لكونها من الأفزاع والأهوال، ورُوي أن ابن عباس رضي الله عنهما صلى لزلزلة بالبصرة.
- المالكية: لا يُصلّى لشيء من هذه الآيات إلا للكسوفين (كسوف الشمس وخسوف القمر).
- الشافعية: لا يُصلّى لغير الكسوفين صلاة جماعة، بل يُستحب أن يصلي في بيته، وأن يتضرع إلى الله بالدعاء عند رؤية هذه الآيات.
- الحنابلة: لا يُصلّى لشيء من الآيات سوى الكسوفين والزلزلة الدائمة.
ولعل قول الشافعية أصوبها؛ لأنه وقع في زمن الصحابة كوارث وآيات عظيمة -كطاعون عمواس وغيره من النوازل- ولم يصلّوا لها صلاة جامعة.
8. ما أتلفته الريح من الزروع والثمار (وضع الجوائح)
ما تتلفه الريح الشديدة من الزرع أو الثمار يسمى: الجائحة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح. ومعنى ذلك: لو بعت زرعًا أو ثمرًا لأحد، وقبل أن يتمكن من حصاده هلك بريح شديدة أو احترق أو تلف، فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئًا؛ لأنك ستأخذ مالًا بغير حق:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟».
رواه مسلم
أما إذا بعته له، ثم مضت مدة يتمكّن فيها من قطعه أو حصاده ففرّط حتى جاءت الريح فأهلكته، فلا شيء عليك، والبيع صحيح، ولا تردّ له شيئًا من الثمن؛ لأنه هو المفرّط.
9. ضمان العارية والمستأجَر إذا أتلفتها الريح
إذا استعرت شيئًا من إنسان أو استأجرته -كدابة أو سيارة أو نحو ذلك- فهلك بسبب الريح الشديدة، أو ضاع أو احترق، بغير تفريط منك ولا تقصير في حفظه، فلا ضمان عليك.
أما إذا قصّرت في حفظه، ولم تصنه عن موضع الهلكة مع قدرتك على ذلك، فعليك ضمانه: بأن تدفع ثمنه، أو تشتري مثله لصاحبه، أو تعوّضه عمّا تلف منه؛ لأنك فرّطت وقصّرت في حفظه.
10. الريح من الله، ونسبتها إلى غيره من الشرك اللفظي
عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».
متفق عليه
- فمن قال: نزل المطر بسبب الرياح الفلانية، أو بسبب حالة الطقس الفلانية، ناسبًا ذلك إليها استقلالًا، فهذا من كفر النعمة.
- ومن قال: جاء أمشير بالرياح، ونحو ذلك من نسبة الريح إلى زمان أو مكان، فهذا من الشرك اللفظي.
- أما من اعتقد أن الطبيعة هي التي أنزلت المطر وخلقته، أو أرسلت الرياح وحرّكتها، فهذا كفر أكبر لا شك فيه.
والواجب أن يقول: مُطرنا بفضل الله ورحمته، وجاءت الريح بقدر الله تعالى. ولا بأس بذكر الأسباب الكونية -كالمنخفضات الجوية- على أنها أسباب يجريها الله بأمره، لا فاعلة بنفسها.
الخلاصة
- يُسن عند هبوب الريح الدعاء المأثور: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها…».
- المؤمن يخاف ويشفق عند اشتداد الريح ولا يأمن مكر الله.
- يحرم سب الريح؛ فهي مأمورة مسخّرة.
- يحرم تعريض النفس للهلاك بالخروج في الريح الشديدة.
- تجوز الصلاة في الرحال وترك الجماعة للريح الشديدة.
- يجوز الجمع بين الصلاتين للحاجة، ولا يجوز بغير حاجة.
- الراجح أنه لا تُشرع صلاة جماعة للريح، بل الدعاء والتضرع.
- ما أتلفته الريح من الثمار المبيعة قبل التمكن من جنيها يوضع عن المشتري.
- لا ضمان على المستعير والمستأجر إلا بالتفريط.
- الريح من الله، ونسبتها إلى غيره شرك لفظي أو أكبر بحسب الاعتقاد.


