جديد الموقعجديد
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إسماعيل العضامي

أحكام النظر إلى المخطوبة: حكمه وشروطه وحدوده في سبع مسائل — إسماعيل العضامي

النظر إلى المخطوبة من المسائل التي يكثر السؤال عنها عند الإقدام على الزواج: هل هو جائز أم مستحب؟ وهل يحتاج إلى إذن الولي؟ وما الذي يجوز النظر إليه؟ وهل يجوز تكرار النظر أو المصافحة؟ وفي هذا المقال أحكام النظر إلى المخطوبة وحدوده في سبع مسائل، مع حق المرأة في النظر إلى خاطبها.

أحكام النظر إلى المخطوبة

المسألة الأولى: مشروعية النظر إلى المخطوبة وحكمه

اتفق الفقهاء على مشروعية نظر الخاطب إلى مخطوبته، واستدلوا بأدلة كثيرة، منها ما بوّب عليه البخاري: «باب النظر إلى المرأة قبل التزويج»، وأورد فيه:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ».

رواه البخاري (5125)

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعّد النظر إليها وصوّبه، ثم طأطأ رأسه…

رواه البخاري (5126)

وبوّب مسلم: «باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها»، وأورد فيه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» قال: لا، قال: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا».

رواه مسلم (1424)

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».

رواه الترمذي والنسائي

أما حكمه: فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه مباح، والظاهر من دلالة الأحاديث والأمر بالنظر أنه مستحب؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وما يندفع به من مفاسد كثيرة.

المسألة الثانية: الحكمة من مشروعية النظر عند الخطبة

الحكمة من ذلك التعرف على الطرف الآخر الذي سيكون شريكًا في الحياة، فينظر كلٌّ من الخاطبين إلى الآخر؛ فذلك أرجى أن تطيب العشرة، وتدوم المودة، وتحصل السكينة التي ذكرها الله في قوله:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما»، أي: أجدر أن تدوم بينكما المودة والألفة.

المسألة الثالثة: هل يُشترط إذن المخطوبة أو وليها؟

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يُشترط إذن المرأة ولا إذن وليها في النظر إليها، واستدلوا بأدلة منها:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ». قال جابر: فخطبت جارية، فكنت أتخبّأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها.

رواه أحمد (14810) وأبو داود (2082)

لكنهم اشترطوا لذلك شروطًا، منها:

  1. ألا يكون النظر بشهوة.
  2. أن يكون قد عزم على نكاحها، فلا يكون متلهّيًا ولا متلاعبًا.
  3. ألا يخلو بها؛ فالخلوة بالأجنبية حرام، إلا أن يكون معها ذو محرم منها.

والأولى والأكمل أن يكون النظر بعلم أهلها، في حضور محرمها؛ فذلك أحفظ لكرامتها وأبعد عن الريبة.

المسألة الرابعة: تكرار النظر إلى المخطوبة

أجاز الفقهاء تكرار النظر إلى المخطوبة إذا احتاج الخاطب إلى ذلك، حتى يصل إلى حد القناعة والرضا بقراره قبولًا أو رفضًا؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ»، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ».

فإن حصلت القناعة ورأى ما يريد الاطلاع عليه حرم عليه طلب رؤية أخرى؛ لأن النظر إنما أُبيح للحاجة، وقد تمت. والأقرب ألا يزيد على ثلاث مرات، والله أعلم.

المسألة الخامسة: ما الذي يجوز للخاطب أن ينظر إليه؟

  • مذهب الجمهور: أنه ينظر إلى الوجه والكفين فقط، ولا يزيد على ذلك؛ فإن النظر إليهما كافٍ في حصول المقصود، فإن أراد معرفة أكثر من ذلك وكّل من نساء أهله -كأمه أو أخته- من تنظر إليها ثم تخبره بما رأت.
  • مذهب الحنابلة: أباحوا النظر إلى ما يظهر من المرأة غالبًا عند الخدمة في بيتها، كالوجه والرقبة واليد والقدم؛ فإن ذلك أدعى لقناعة الرجل، وعدم مطالبته بمزيد من الرؤية.

ولعل القول الأخير أقرب، والله أعلم.

المسألة السادسة: حكم لمس المخطوبة ومصافحتها

لا يجوز للخاطب أن يمس المخطوبة أو يصافحها؛ فإنها أجنبية عنه حتى يعقد عليها، والمشروع الرؤية فقط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

«لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ».

رواه الطبراني في الكبير (20/ 212)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5045)

ومثل ذلك: الخلوة بها، والخروج معها منفردين، والمحادثات التي لا تدعو إليها حاجة الخطبة؛ فكل ذلك من الذرائع المحرمة.

المسألة السابعة: حق المرأة في النظر إلى خاطبها

كما يُشرع للرجل أن ينظر إلى من يريد خطبتها، يُشرع للمرأة كذلك أن تنظر إلى خاطبها؛ لأن العلة مشتركة، فكما يعجبه منها ما يدعوه إلى نكاحها، يعجبها منه ما يعجبه منها، وهي شريكته في الحياة، والزواج قائم على الرضا منهما.

الخلاصة

  • النظر إلى المخطوبة مشروع باتفاق الفقهاء، والراجح أنه مستحب.
  • حكمته دوام المودة والألفة بين الزوجين.
  • لا يُشترط إذن المرأة أو وليها عند الجمهور، بشرط ألا يكون بشهوة، وأن يكون عازمًا على النكاح، وألا يخلو بها.
  • يجوز تكرار النظر للحاجة، والأقرب ألا يزيد على ثلاث مرات.
  • الجمهور على النظر إلى الوجه والكفين، والحنابلة يجيزون ما يظهر غالبًا، وهو الأقرب.
  • يحرم لمسها ومصافحتها والخلوة بها قبل العقد.
  • للمرأة أن تنظر إلى خاطبها كما ينظر إليها.

أسئلة شائعة

هل يجوز للخاطب أن يجلس مع المخطوبة ويتحدث معها؟

يجوز له أن يراها ويكلمها بقدر حاجة الخطبة، في حضور محرمها، بلا خلوة ولا خضوع بالقول، ولا يتجاوز ذلك إلى ما لا تدعو إليه الحاجة.

هل يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة بعد قراءة الفاتحة أو الخطبة الرسمية؟

لا يجوز؛ فالخطبة وعد بالزواج وليست عقدًا، وتبقى المخطوبة أجنبية عن خاطبها حتى يُعقد عليها عقد النكاح.

كم مرة يجوز النظر إلى المخطوبة؟

يجوز تكرار النظر بقدر الحاجة حتى تحصل القناعة، والأقرب ألا يزيد على ثلاث مرات، فإذا حصل المقصود حرم الزيادة.