
الصيام من أجلّ العبادات، لكن الشرع نهى عن الصيام في أيام وأحوال معينة، فمن صامها لم يُقبل منه، بل كان آثمًا. وفي هذا المقال ثمانية أنواع من الصوم المحرّم والمنهي عنه جاءت بها السنة النبوية، حتى لا يتعبّد المسلم بعبادة غير صحيحة ولا مقبولة عند الله عز وجل.

1. صيام المرأة تطوعًا بغير إذن زوجها
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ». زاد أبو داود: «غَيْرَ رَمَضَانَ».
متفق عليه، واللفظ للبخاري
فلا يحل للمرأة أن تصوم نفلًا وزوجها حاضر غير مسافر إلا بإذنه، أما صيام رمضان وقضاؤه الواجب إذا ضاق وقته فلا يُشترط فيه إذنه.
2. صوم يوم الشك
يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تردد الناس في كونه من رمضان أو لا، بأن غُمّت عليهم الرؤية بسبب غيم أو غبار أو مطر أو أي مانع من موانع الرؤية.
قال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم».
رواه أبو داود والترمذي، وعلّقه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ».
متفق عليه
والحكمة من النهي عنه -والله أعلم-:
- ما أشار إليه الإمام مالك في «الموطأ»: لئلا يُلحق برمضان ما ليس منه.
- ولئلا يفهم عامة الناس أنه يُشرع صوم آخر شعبان احتياطًا لرمضان.
- ولئلا تُلحق النوافل بالفرائض، وقد أيّد هذا المعنى ابن القيم في «تهذيب السنن»، واستشهد بقصة الرجل الذي صلى الفرض ثم قام يتنفل مباشرة، فأخذ عمر بمنكبيه وقال: اجلس، فإنه لم يُهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب» رواه أبو داود، وفي إسناده كلام، ويغني عنه ما في صحيح مسلم من حديث معاوية رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك: أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج».
قال ابن القيم رحمه الله: ومقصود عمر أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الزمن ظن الجهال أن هذا من الفرض.
3. صوم يومي العيدين
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ».
متفق عليه
فصيامهما محرّم بالإجماع، سواء كان فرضًا أو نفلًا أو نذرًا.
4. صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي
عن نُبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رواه مسلم
وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ».
رواه البخاري
وأيام التشريق: هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويُستثنى منها الحاج المتمتع أو القارن الذي لم يجد الهدي، فيجوز له صيامها.
5. تخصيص يوم الجمعة بالصيام
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ».
رواه مسلم
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ».
متفق عليه
علة النهي عن تخصيص الجمعة بالصيام
العلة التي من أجلها نُهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام: خشية تخصيص هذا اليوم بعبادة مشابهةً لأهل الكتاب في تعظيم أيامهم.
إذا وافق يوم الجمعة يومًا فاضلًا
فإذا صادف يوم الجمعة يومًا فاضلًا كيوم عرفة أو يوم عاشوراء، جاز إفراده بالصيام؛ لأن الصائم لم يقصد اليوم لذاته، وإنما قصد اليوم المسنون الفاضل. ويدل على أن إفراد الجمعة ليس محرمًا لذاته قوله صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»؛ كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيوافق صومُه يوم الجمعة منفردًا، وهذا جائز بالإجماع، بل هو أفضل الصيام، صيام نبي الله داود عليه السلام.
6. تخصيص يوم السبت بالصيام
عن الصمّاء بنت بُسر رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا».
رواه الخمسة، ورجاله ثقات
وقد تكلّم بعض أهل العلم في هذا الحديث، ومن صحّحه حمله على تخصيص يوم السبت وإفراده بالصيام. فإن وافق يومًا فاضلًا كيوم عرفة أو عاشوراء جاز صيامه، ويقال فيه ما قيل في يوم الجمعة سواءً بسواء.
7. صوم الحائض والنفساء
وهو صوم محرّم، لا يصح ولا ينعقد، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك، فنُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة» رواه مسلم.
8. الصيام بعد منتصف شعبان لمن لم يصم قبله (وفيه خلاف)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا».
رواه الخمسة
وهذا الحديث وإن كان ظاهر إسناده الصحة، فقد أنكره الإمام أحمد وعبد الرحمن بن مهدي، وحكى ابن حجر أن جمهور العلماء على تضعيفه؛ لمخالفته ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا».
وجمع الموفق ابن قدامة بين الحديثين بأن النهي خاص بمن لم يصم النصف الأول من شعبان، فيُنهى أن يبتدئ الصيام في نصفه الثاني؛ سدًّا لذريعة إلحاقه برمضان احتياطًا، وهو جمع قوي، لكن يُشكل عليه لفظ رواية: «فأمسكوا عن الصيام»، فظاهرها الإمساك مطلقًا، سواء صام نصفه الأول أو لا. فالقول بنكارة هذا الحديث أولى، ويبقى المنهي عنه قطعًا: تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين لغير من كانت له عادة.
الخلاصة
- صيام المرأة تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه.
- صوم يوم الشك (الثلاثين من شعبان).
- صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى.
- صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي من الحجاج.
- إفراد يوم الجمعة بالصيام، إلا إذا وافق عادة أو يومًا فاضلًا.
- إفراد يوم السبت بالصيام في غير الفريضة، على قول من صحّح الحديث.
- صوم الحائض والنفساء.
- تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين، وأما الصيام بعد منتصف شعبان ففيه خلاف، والراجح نكارة حديث النهي.
أسئلة شائعة
هل يجوز صيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة أو السبت؟
نعم، يجوز؛ لأن الصائم قصد فضل يوم عرفة لا تخصيص الجمعة أو السبت لذاتهما.
هل تحتاج المرأة إلى إذن زوجها في قضاء رمضان؟
الأصل أنها تستأذنه إن كان في الوقت سعة، فإن ضاق وقت القضاء قبل رمضان التالي صامت ولو لم يأذن؛ لأنه واجب.
ما حكم صيام يوم الشك احتياطًا لرمضان؟
منهي عنه؛ لقول عمار: «من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم»، إلا من وافق صومًا كان يصومه.

