
ماذا يفعل المسلم إذا أصابت النجاسة ثوبه ثم خفي عليه موضعها؟ وماذا يصنع إذا شك في طهارة الماء، أو اشتبهت عليه ثياب طاهرة بثياب نجسة؟ هذه مسائل يكثر السؤال عنها، ومعرفة قواعدها تضبط أحكام الطهارة، وتخلّص المسلم من كثير من الوساوس والشكوك التي تصيبه بسبب الجهل بها.
أصول لا بد من معرفتها قبل المسائل
قبل بيان الحالات التي يخفى فيها موضع النجاسة، لا بد أن تعرف أربعة أصول تُبنى عليها هذه المسائل:
- الطاهر معروف بصفته، والنجس معروف بصفته؛ فلا يُحكم بنجاسة شيء إلا بظهور أثر النجاسة فيه أو العلم بوقوعها.
- الماء لا ينجس إلا إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة: طعمه، أو لونه، أو ريحه، على الراجح من قولي أهل العلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
- من شك في طهارة شيء بنى على ما استيقن؛ فاليقين لا يزول بالشك، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم فيمن أشكل عليه هل خرج منه شيء في الصلاة: «فَلَا يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رواه مسلم.
- الأصل في الأشياء الطهارة، والأصل فيها الإباحة؛ حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك.
فإذا عرفنا هذه الأصول، فإليك المسائل المتفرعة عنها:
إذا شك في طهارة الماء
إذا شك إنسان في طهارة الماء بنى على الأصل، وهو طهارته، حتى تثبت نجاسته بيقين مثله؛ فاليقين لا يرتفع إلا بيقين، ولا يرتفع بالشك، فليس مجرد الشك في الماء يصيّره متنجسًا.
إذا اشتبه عليه ماء إناءين أحدهما طهور والآخر نجس
الجواب واضح بناءً على الأصل الأول: فالطهور معروف بصفته، والنجس معروف بصفته، فإن ظهر في أحدهما أثر النجاسة وجب تركه، وإلا فلا؛ لأن الماء لا ينجس إلا بالتغير.
إذا خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره
وجب عليه أن يغسل ما يتيقّن أن الغسل قد أتى على جميع النجاسة:
- فإن كان يتيقّن أن أحد طرفي الثوب أو العمامة أو السجادة -مثلًا- قد أصابته نجاسة، ونسي أي الطرفين هو، وجب عليه غسل الطرفين؛ لأنه اليقين.
- وإن نسي موضع النجاسة تمامًا مع تيقّنه بوجودها، وجب عليه غسل الثوب كله.
- أما إن شك: هل أصابت النجاسة ثوبه أم لا؟ فالأصل الطهارة، ولا يلزمه شيء.
إذا اشتبهت ثياب طاهرة بثياب نجسة
إذا اشتبهت عليه ثياب طاهرة بأخرى نجسة، ولم يكن عنده غيرها، فالصحيح: أن يجتهد ويتحرّى الثياب الطاهرة، ثم يصلي فيها، ولا تجب عليه الإعادة؛ لقوله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقد فعل ما في وسعه من الاجتهاد والتحري، والله أعلم.
إذا اختلط بالماء شيء طاهر
كالصابون، أو الحبر، أو أوراق الشجر، ونحو ذلك، فالصحيح أن يُنظر:
- إن غلب عليه بحيث غيّر اسمه -فلم يعد يُسمى ماءً مطلقًا، كالشاي والمرق- أو غيّر أحد أوصافه الثلاثة تغيرًا كثيرًا يسلبه اسم الماء، فلا تجوز الطهارة به، ويستعمله في غير رفع الحدث.
- وإن لم يغيّر فيه شيئًا فهو طهور، تصح به الطهارة من وضوء وغسل ونحوهما.
الخلاصة
- اليقين لا يزول بالشك، والأصل في الماء والثياب والأشياء الطهارة.
- الماء لا ينجس إلا إذا تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة.
- من تيقّن النجاسة وجهل موضعها غسل ما يتيقّن به زوالها، فإن جهل موضعها تمامًا غسل الثوب كله.
- من اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة تحرّى وصلى، ولا إعادة عليه.
- هذه القواعد من أنفع ما يُعالَج به الوسواس في الطهارة.
أسئلة شائعة
رأيت بعد الصلاة نجاسة في ثوبي لم أكن أعلم بها، فهل أعيد الصلاة؟
من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الفراغ فصلاته صحيحة على الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيهما أذى، ولم يستأنف صلاته. رواه أبو داود.
أشك دائمًا في طهارة ثيابي، فماذا أفعل؟
ابنِ على الأصل وهو الطهارة، ولا تلتفت إلى الشك ما لم تتيقن وقوع النجاسة؛ فكثرة الالتفات إلى الشكوك تفتح باب الوسواس.

