
الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، يتقرب بها المسلم إلى ربه في أيام عيد الأضحى، ولها أحكام كثيرة يحتاج إليها كل من أراد أن يضحي. وهذه خلاصة أحكامها في خمسين مسألة مرتبة في أبواب، ليسهل الرجوع إليها قبل الذبح وبعده.
تعريف الأضحية وحكمها وفضلها
- تعريفها: الأضحية ما يُذبح من بهيمة الأنعام أيام عيد الأضحى تقرّبًا إلى الله تعالى.
- سبب تسميتها: سُمّيت بذلك نسبةً إلى وقت الضحى؛ لأنه الوقت المشروع لبداية ذبحها.
- مشروعيتها: ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وعن أنس رضي الله عنه قال: «ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين» متفق عليه، وحكى الإجماعَ عليها ابنُ قدامة في «المغني» (11/ 95) والنووي في «المجموع».
- حكمها: اختلف فيه أهل العلم على قولين: الأول أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب الجمهور: المالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وبه قال أكثر أهل العلم. والثاني أنها واجبة على الموسر، وهو قول ربيعة والأوزاعي وأبي حنيفة والليث وبعض المالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح.
- المسافر: تُشرع الأضحية للمقيم والمسافر على السواء، ما لم يكن حاجًّا.
- الحاج: اختلف أهل العلم في الأضحية في حقه، والراجح أنها لا تجب عليه؛ إذ لم يُعرف عن الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ضحّوا، ورجّح ذلك ابن تيمية وابن القيم وجماعة من أهل العلم.
- فضلها: يكفي في فضلها قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: 36]، أما الأحاديث الخاصة في فضلها فقد قال ابن العربي المالكي في «عارضة الأحوذي» (6/ 288): «ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، وقد روى الناس فيها عجائب لم تصح».
- الاستدانة لها: تجوز ولا تجب، ومن استدان لها فحسن، ويقضي الله عنه. وكان بعض السلف يستدين ويسوق البُدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟! فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
- حِكَم مشروعيتها: للأضحية حِكَم كثيرة، منها:
- أنها من أجلّ أنواع التقرب إلى الله تعالى بالذبح وإراقة الدم.
- شكر نعمة الله تعالى على ما يسّر من الطاعة والخير.
- شكر نعمته على ما سخّر وأحلّ من بهيمة الأنعام.
- إحياء سنة إبراهيم عليه السلام.
- التوسعة على الأهل والأقارب في يوم العيد.
- الصدقة على الفقراء والمساكين وذوي الحاجة.
- تآلف المجتمع المسلم وتراحمه.
- ما يحصل للمضحي من الخير والبركة في أهله وماله.
ما يُضحّى به وشروط الأضحية
- جنسها: لا تكون الأضحية إلا من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، ولا تصح بغيرها، ونقل الإجماع على ذلك النووي في «المجموع» وابن عبد البر في «التمهيد».
- أفضلها: الإبل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز، إذا ضحّى بالناقة أو البقرة كاملة عن نفسه وأهل بيته، أما إذا كان سيشترك مع غيره فيها فالشاة الكاملة أفضل من السُّبع.
- السن المجزئة: لا يجزئ إلا المُسِنّة: من الإبل ما أتم خمس سنين، ومن البقر ما أتم سنتين، ومن المعز ما أتم سنة، ومن الضأن سنة كاملة، فإن عسر عليه ذلك ذبح الجَذَعة من الضأن، وهي ما أتمت ستة أشهر ودخلت في السابع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تذبحوا إلا مُسِنّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» رواه مسلم.
- العجول المسمّنة: لا تجزئ في الأضحية إذا لم تبلغ السن الشرعية، وإن كثر لحمها، وإن أفتاك المفتون!
- إذا خدعه البائع في السن: من اجتهد في التحقق من سن أضحيته فخدعه البائع وكذب عليه، فلا إثم عليه إن شاء الله، وتجزئه أضحيته.
- الاشتراك: تجزئ البدنة (الناقة) والبقرة عن سبعة يشتركون فيها، ولا يقل نصيب المشترك عن السُّبع، قال جابر رضي الله عنه: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة» رواه مسلم. أما الشاة من الضأن أو المعز فلا يصح الاشتراك فيها.
- ولا يلزم أن يكون السبعة كلهم مضحّين، فيجوز أن يشترك من ينوي الأضحية مع من يريد اللحم أو غيره.
- الذكر والأنثى: تجوز الأضحية بالأنثى، والذكر أفضل وأحسن، وتجوز كذلك بالخصيّ.
- الصفات المستحبة: أن تكون سمينة، غالية الثمن، سالمة من كل العيوب، ويُستحب في لونها: البيضاء، ثم العفراء (التي بياضها غير ناصع)، ثم السوداء.
- شروط الأضحية:
- أن تكون من بهيمة الأنعام.
- أن تبلغ السن الشرعية.
- أن تخلو من العيوب المانعة من الإجزاء.
- أن تُذبح في وقت الأضحية.
- أن يذبحها مسلم أو كتابي تحل ذبيحته، والأولى أن يتولاها المسلم بنفسه.
- ألا يشترك اثنان فأكثر في الشاة، ولا يقل نصيب المشترك عن السُّبع في الإبل والبقر.
- أن تُذبح عن معيّن، فإن ذُبحت عن مجهول لم تصح.
- استبدالها: إذا عيّن أضحيته جاز له أن يستبدلها بخير منها.
- بيعها: لا يجوز بيع الأضحية بعد شرائها وتعيينها.
العيوب في الأضحية
- العيوب المانعة من الإجزاء: وهي الأربعة الواردة في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عَوَرها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظَلْعها، والكسير -وفي رواية: والعجفاء- التي لا تُنقي» رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وبيانها:
- العوراء البيّن عورها: التي انخسفت عينها أو ذهبت، فإن كانت عمياء فهي أولى بعدم الإجزاء.
- المريضة البيّن مرضها: التي بها مرض ظهر أثره عليها؛ لأنه يُفسد لحمها وينقص قيمتها نقصًا كبيرًا.
- العرجاء البيّن عرجها: التي بها عرج فاحش.
- العجفاء التي لا تُنقي: وهي المهزولة التي لا مخّ في عظامها لهزالها، والنِّقي هو المخ، فلا لحم فيها وإنما هي عظام مجتمعة.
- المكروهات: يُكره في الأضحية أن تكون مقطوعة الأذن أو بعضها، أو مكسورة القرن أو أكثره.
- إذا تعيّبت بعد الشراء: فإن كان ذلك بتفريط منه أو تعدٍّ لم تجزئه، وعليه أن يشتري غيرها، وإن كان من غير تقصير منه أجزأته وإن تعيّبت.
- إذا ضاعت أو سُرقت أو ماتت: فإن كان بتفريط منه فعليه بدلها، وإلا فلا شيء عليه.
وقت ذبح الأضحية
- بدايته: بعد انقضاء صلاة العيد في بلده، والعبرة بأول صلاة تنقضي فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح» متفق عليه.
- نهايته: ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو آخر أيام التشريق.
- الذبح ليلًا: يجوز الذبح في أيام الأضحية ليلًا ونهارًا، أما من ذبح ليلة العيد فإنما هو لحم قدّمه لأهله، وليس بأضحية.
- من صلى العيد ولم يسمع الخطبة ثم ذبح فذبحه صحيح، ومن صلى في بيته لعذر انتظر حتى ينقضي وقت صلاة العيد المعتاد في بلده.
صفة الذبح وشروط الذابح
- صفة الذبح: الإبل تُنحر قائمة معقولة اليد اليسرى إن أمكن، أما البقر والغنم فيُضجعها على جنبها الأيسر موجّهةً إلى القبلة، ويضع رجله على صفحة عنقها.
- ما يقوله عند الذبح: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي» أو «اللهم تقبّل مني»، ويقول: «عن فلان» إذا كانت أضحية موصٍ.
- من يذبحها: يُسنّ أن يذبحها المضحي بيده، ويجوز أن يوكّل غيره كالجزار ونحوه.
- شروط الذابح:
- أن يكون عاقلًا، رجلًا كان أو امرأة، طاهرًا أو جنبًا، وتصح ذبيحة المرأة ولو كانت حائضًا أو نفساء إذا كانت تحسن الذبح.
- أن يكون مسلمًا أو كتابيًّا.
- أن يذبح خالصًا لله تعالى، لا رياءً ولا سمعة.
- أن ينوي بذبحها الأضحية.
- أن يسمّي الله عند الذبح.
- أن يكون مأذونًا له في ذبحها، فلا يكون سارقًا لها ولا غاصبًا.
- من لا تحل ذبيحته: لا تجزئ أضحية ذبحها تارك الصلاة، ولا سابّ الدين، ولا من لم يسمّ عليها، ولا الشيخ الخَرِف الذي ذهب عقله.
- مكروهات الذبح: يُكره في الذبح عمومًا:
- أن يحدّ السكين والبهيمة تنظر.
- أن يذبح البهيمة والأخرى تنظر.
- أن يؤلمها قبل زهوق روحها بكسر رقبتها أو قدمها.
- أجرة الجازر: لا يُعطى الجازر أجرة عمله من الأضحية، وإنما يُعطاها من غيرها.
- الجنين في بطنها: إذا ذبحها وفي بطنها جنين فذكاته ذكاة أمه، فيحل أكله إن خرج ميتًا، فإن خرج حيًّا حياةً مستقرة ذُبح.
- ولد الأضحية: إذا ولدت الأضحية بعد تعيينها ذُبح ولدها معها تبعًا لها؛ لأنه أخرج أمها في سبيل الله فيُخرج ما كان تابعًا لها، وعليه جمهور أهل العلم.
توزيع الأضحية والانتفاع بها
- تقسيمها: يُستحب أن يقسمها ثلاثة أقسام: فيأكل ثلثًا، ويتصدق بثلث، ويُهدي ثلثًا.
- الادخار: يجوز الادخار من لحم الأضحية ثلاثة أيام فما فوقها.
- الجلد: لا يجوز للمضحي أن يبيع جلد أضحيته ولا شيئًا منها؛ لأنها تعيّنت لله بالذبح بجميع أجزائها، ويجوز أن يتصدق بالجلد، أو يعطيه لمن يبيعه كالجمعيات الخيرية ونحوها.
- الذبح أم الصدقة بالثمن؟ ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحّى، وكذلك الخلفاء من بعده، قال سعيد بن المسيب: «لأن أضحي بشاة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة درهم».
عمّن تجزئ الأضحية
- أهل البيت: تجزئ الأضحية الواحدة عن الرجل وأهل بيته جميعًا مهما كان عددهم، ولو كان متزوجًا بأكثر من امرأة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
- الإخوة: إن كانوا مستقلين في بيوتهم فالأصل أن لكل واحد أضحية تخصه، وإن كانوا مشتركين في بيت واحد كفتهم أضحية واحدة على الصحيح.
- عموم الأمة: لا يضحي أحد عن عموم المسلمين كما ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم عمّن لم يضحِّ من أمته؛ فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
- العقيقة والأضحية: لا تجتمعان في ذبيحة واحدة، إلا إذا وافق يومُ السابع للمولود أيامَ الأضحية، فيجوز ذلك على قول الحنابلة.
- الأضحية عن الميت: إذا أوصى الميت قبل موته بأن يُضحّى عنه ففيه تفصيل:
- إن كان له مال يخرج من ثلثه وجب أن يُضحّى عنه من ثلثه.
- وإن لم يكن له ثلث استُحب لابنه أن يضحي عنه ولا يجب، فلو تركها لم يأثم، والأضحية عنه من برّه بعد موته.
ما يمسك عنه المضحي في العشر
- الشعر والأظفار: إذا دخلت عشر ذي الحجة لم يجز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا حتى يذبح أضحيته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمسّ من شعره وبشره شيئًا» رواه مسلم. وهذا الحكم خاص بصاحب الأضحية -رجلًا كان أو امرأة- دون أهل بيته.
- من تعمّد الأخذ: أثم، وعليه التوبة والاستغفار، ويضحي ولا كفارة عليه؛ كمن تعمّد فعل محرم، فإن أصل العبادة لا يبطل وتلزمه التوبة.
- من نسي: من أخذ من شعره أو أظفاره ناسيًا فلا شيء عليه ويضحي؛ لعموم رفع الحرج عن الناسي.
بدع ومخالفات في الأضحية
احذر من أمور لا دليل عليها، يفعلها بعض الناس عند الأضحية، منها:
- الوضوء قبل الذبح اعتقادًا أنه من سنن الأضحية.
- تلطيخ صوفها أو جبهتها بدمها، فليس على ذلك دليل من الكتاب أو السنة.
- كسر رجلها أو يدها بعد ذبحها مباشرة قبل أن تزهق روحها.
- أن يضحي عن فقراء المسلمين فيقول: «اللهم هذه عن فقراء المسلمين»، فلم يرد به دليل، ولم يفعله خيار الأمة من السلف الصالح.
أسئلة شائعة عن الأضحية
هل تكفي أضحية واحدة عن أهل البيت كلهم؟
نعم، تجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته مهما كان عددهم، ولو تعددت زوجاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
متى يبدأ وقت ذبح الأضحية ومتى ينتهي؟
يبدأ بعد انقضاء صلاة العيد في البلد، وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ومن ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم، وعليه أن يعيد.
هل يجوز للمضحي أن يقص شعره أو أظفاره في العشر؟
لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا من دخول العشر حتى يذبح، فإن فعل عامدًا أثم وأضحيته صحيحة، والحكم خاص بالمضحي دون أهل بيته.
أيهما أفضل: ذبح الأضحية أم التصدق بثمنها؟
ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها؛ اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ولأن إراقة الدم في هذه الأيام عبادة مقصودة.
شاهد الدرس مرئيًّا
هذا ما تيسّر اختصاره من أحكام الأضحية، والله ولي التوفيق.

